بقلم: يونس أفطيط

أيهما أشد، ركلة من رجل قوة عمومية أو سقوط قنبلة مسيلة للدموع بالقرب منك؟

لنجيب على هذا التساؤل دعونا نعود إلى بداية يوم الخميس عشرين يوليوز، حين كانت المدينة مطوقة بالامن في كل الشوارع، هناك محلات مفتوحة وأخرى مغلقة، كل الشوارع كانت تؤدي إلى إتجاه واحد، ساحة محمد السادس، والرهان كان واحدا أيضا، من ينجح في احتلال الساحة ينجح في مسعاه، لذلك كان التطويق الامني للساحة محكم.

كانت الساعة تشير إلى العاشرة والنصف صباحا، صبيب الانترنت منعدم، وأنا كالسمكة التي قرر مالكها أن يخرجها من صهريجها لتحس بالهواء يخنقها، أصبحت ضائعا وأصبح العالم شاسعا مرة أخرى بعدما كان بالامس قرية فقط أصل إلى حيث شئت من هاتفي الذكي، أما الان فلا أستطيع معرفة حتى ما يقع في سيدي عابد رغم أنه على مرمى حجر.

مقهى المنظر الجميل هي الوجهة للجميع، صحفيين مناضلي اليسار، سياسيين، ونشطاء، لذلك كانت وجهتنا الاولى، هناك سنجد المقهى تعج بمناضلي اليسار الذين قدموا من كل المدن، يلقون التحايا على الجميع حتى من لا يلقي عليهم التحية، إنهم يبرزون أنهم جاؤوا للتضامن يتفحصون الوجوه لعل أحدهم يتذكر أنه رآهم يوما قرب البرلمان وهم يصرخون ويلقي عليهم تحية عرفان لتضامنهم، هناك منهم من مشى جيئة وذهابا وسط المقهى أكثر من عشرة مرات ولا أحد ألقى عليه التحية، وهناك من حصد التحايا أكثر من عدد الذين يعرفونه فقط لأن وجهه مألوف.

أحببت فطور مقهى المنظر الجميل، هي مقهاي المفضل منذ سنين طويلة كلما زرت المدينة، لكنني اليوم غريب فيها، لم ألتقي أصدقائي الحسيميين، هذه أمور غير مهمة بالنسبة لكم بالاساس، دعونا نقفز إلى الامور الاكثر إثارة، ولنجيب على هذا التساؤل، كيف إنطلقت الاحتجاجات وسط وضع أمني ينذر بأن لا أحد سيصرخ حتى ليستوقف صديقه في الشارع الذي مر دون أن يراه حتى لا يوقفه رجال الامن؟.

كانت الساعة حوالي الثالثة والربع وبعدما خرجنا عدة مرات وعدنا إلى المقهى خرجنا مرة أخرى لنرى الاوضاع، بمجرد أن خطت أرجلنا المقهى أوقفنا خمسة أمنيين بزي مدني، كنا أربعة صحفيين، طالبونا بالبطائق المهنية بعدما سالونا عن سبب زيارتنا للمدينة، ثم سمحوا لنا بالمرور، آنذاك سمعنا المرأة الحيمية التي أشعلت الاحتجاج وهي تصرخ في وجه شرطي، لقد منعها من المرور إلى ساحة محمد السادس، فإشتعلت في وجهه ثم غادرت إلى الجهة الاخرى، وبينما لم نتبعها قررنا الذهاب في إتجاه الساحة إلى المنطقة الامنية لنرى الامور هناك، وبسرعة عدنا عبر الشارع، لنجد نفس المرأة وقد إلتف حولها أزيد من 15 شخص وهي تصرخ في وجههم، الساعة الان الرابعة إلا ربع، والموعد الذي يعلمه الجميع هو السادسة مساء، وبسرعة البرق تغير الموعد واصبح الآن، إلتفت الحشود وتحول صراخ المرأة إلى وقفة إحتجاجية تلى فيها عميد أمني قرار المنع بسرعة وأمر الامن بالتقدم، تفرقت الوقفة، وإلتأمت أخرى أبعد عنا بمائة متر، تسابق الصحفيون ليصلوا إليها، وما إن وصلنا حتى فضت، وتولدت أخرى بساحة إفريقيا، هناك ستطلق أول قنبلة مسيلة للدموع، رأيت الجموع تهرب وأنا أتساءل هل هذه القنابل مؤثرة إلى هذه الدرجة؟، أطلق الشرطي قنبلة ثانية ثم ثالثة لكن المحتجين يتفرقون، يفركون وجوههم بالبصل ثم يعودون إلى أماكنهم مرة أخرى كأن شيء لم يقع، واضحى الحل هو التدخل الامني، كانت هناك في البداية إصابات طفيفة، ثم سرعان ما تفرق الجميع أمام ساحة إفريقيا ليذهبوا ويرتكنوا إلى بوابة مسجد السدراوي، إعتصموا ببابه ولم يجد الامن ما سيفعله مع هؤلاء، ليقوم بمحاصرتهم هنا، في الشارع الخلفي كانت هناك قنابل تتساقط، وفجأة سنلمح من بعيد مسيرة تنزل بالقرب من مستشفى محمد الخامس، سنطير إليها، حالما وصلت، أطلقت القنبلة الاولى سقطت على بعد أمتار مني، ولأني غبي يتصنع الشجاعة قررت الوقوف صنديدا في مكاني لمراقبة الاوضاع وتوثيقها، كان غباء خالصا، فما هي إلا لحظات حتى بت لا أرى شيئا ولا أسمع سوى ذوي القنابل التي تتساقط قربي لأنسى أني صنديد وأطلق ساقي للريح أجري نحو المجهول، حتى أني لم أعي هل أجري في إتجاه القنابل أم عكسها، إختناق حاد ما جعل نشطاء الحراك يتلقفونني ويفركون وجهي بالبصل.

كان مفعول البصل معاكسا لما جربته دائما، إنه يبكينا على الدوام لكنه اليوم علاجنا، حتى أن نار غاز القنابل تجعل البصل قطعة حلوى تفرك بها وجهك، وبما أن عدد القنابل الذي يتساقط لم يضرب له أحد حساب، فإن البصل بدأ يصبح عملة نادرة مثل سمك أبو سيف، هنا شمرت العجائز في المنازل عن سواعدهن وبدأن في إلقاء البصل من النوافذ، وكلما سقطت قنبلة تبعتها أسراب البصل من حيث لا تحتسب، هنا سأعلم أن هناك سائل سحري مفعوله أقوى من الكوكا كولا والبصل مجتمعين، إنه الماء مخلوط بخميرة العجائن، بمجرد أن تفرك به وجهك ينتهي السعال والنار التي تشتعل في صدرك ووجهك.

عدت أنا وزميل في المهنة إلى نقطة إندلاع الشرار قرب ساحة إفريقيا، جلس بالقرب منا شيخ عجوز، وقرر الشرطي أن يطلق قنبلة أخرى، أما القنبلة فقد كان قرارها معاكسا لما أراده الشرطي وركت المحتجين وتوجهت إلينا قفزنا هربا وتذكرت العجوز، إلتفت للخلف ووجدته لا يستطيع النهوض، عدت إليه، وأخذت كمية وفيرة من الغاز جعلتني اليوم مدمنا على القنابل.

مرت ساعتان والقنابل تأبى أن تتوقف، وللأمانة، فقد كان من حقي أن أخرج من بين جموع المحتجين آنذاك وأتوجه إلى مكان قصي فلم يكن الامن يمنعنا بتاتا من التنقل، لكن التوثيق خارج دائرة التوتر كان مستحيلا، ولهذا قررت الاستمرار وليتني لم أفعل، لأنها ما هي إلا لحظات حتى تغير مخطط الامن وتمت محاصرة المحتجين في مربعات، وبات الخروج مستحيلا، نهرب من قنبلة تواجهنا لنجد قنبلة أخرى قادمة إلينا ودخانها يبتسم لنا، بقينا على هذا الحال ساعتين أخرى ثم بدأت الامور تهدئ.

طيلة الساعات الخمسة من بداية الاحتجاج وصولا إلى مرحلة الهدوء، بحثت عن المناضلين الذين رأيتهم يتمشون في المقهى، لقد إنصهروا إلا قلة منهم بقوا في الساحة يستنشقون الغازات، لم يكن بحثي فقط عن اليساريين، بل حاولت إيجاد أحد أولئك الذين نسقوا من خارج المغرب ودعموا الحراك وهاجوا أمام البرلمانات الاوروبية والمؤسسات، لقد إحتجوا هناك، في المكان الذي يحميهم الامن من الاحتجاجات المناوئة، وكان الامر بمثابة نزهة أسبوعية، ثم أيقنوا أن الحسيمة ليست مكانا للنزهة الاسبوعية، فتركوها وحيدة بعدما أوهموها أنهم سيقلبون العالم من أجلها.

الان ماذا تعتقدون، أيهما أشد ركلة أم قنبلة غازية؟، كلاهما ينتهي مفعولهما بسرعة أما الاشد إيلاما فهو ما يفعله أشباه المناضلون وما ينفذه الامن من إعتقالات تقل أمهات المعتقلين حزنا.