حين يُستلّ السلاح الأبيض في وجه الدولة… من يحمي رموز السيادة وهبة المؤسسات؟

ريف ديا : أحمد علي المرس

في زمنٍ تتبدّل فيه القيم، وتُخرق فيه الحُرُمات، وتُستباح فيه هبة الدولة ورموزها، نتابع – بأسى بالغ وقلق متزايد – تكرار ظاهرة مروعة أصبحت سِمَةً من سمات هذا العصر الرديء: الاعتداء على رجال الأمن، والدرك، ورجال السلطة، وأطر التربية والتعليم، بالسلاح الأبيض، في مشاهد لم تعد مجرد حوادث معزولة، بل تحوّلت إلى ظاهرة تنذر بانهيار السلم المجتمعي، وتُسائل الجميع: الأسر، والمؤسسات، والدولة. الواقعة التي هزّت الوجدان المغربي كانت جريمة مقتل الأستاذة هاجر بمدينة إنزكان على يد تلميذها، في لحظة عتمة غاب فيها الوعي، وتوارى فيها العقل، وسقط فيها جيل بأكمله في مستنقع الجريمة. لم تكن هاجر مجرد ضحية، بل كانت رمزًا مكلومًا لمنظومة تربوية برمّتها، انهارت فيها القيم، وفقد فيها الأستاذ احترامه، وصار حارس المعرفة هدفًا لطعنات الجهل والغضب. لم تكد صدمة إنزكان تهدأ، حتى اهتزّت مدينة القنيطرة على وقع اعتداء شنيع على رجل أمن و زملائه ، هو الشرطي زكرياء، الذي تلقى طعنة غادرة بسكين على مستوى الوجه أثناء أداء واجبه. مشهد دامٍ تَكرّر كثيرًا، لكن هذه المرة وقع على وجه رجل يمثل القانون، ويحمل شعار الدولة، فهل يُعقل أن تتحوّل مهمة حفظ الأمن إلى مهنة الموت المجاني؟ وفي أكادير، تعرّض رجال الدرك الملكي لهجوم بالسلاح الأبيض من قبل جانحين ومجرمين، لا يهابون القانون، ولا يقيمون وزنًا للسلطة. أما في تمارة، فقد شهدنا مشهدًا غريبًا: فتاة متهورة تصفع قائدًا أثناء مزاولته لعمله. ليس الأمر مجرد انحراف سلوكي، بل هو صفعة على وجه السيادة، وجرس إنذار بأن المؤسسات أصبحت عارية من الحصانة المجتمعية والأخلاقية. إن هذا الجيل، الذي تربى على التفاهة، وتشبع من محتويات تافهة على مواقع التواصل الاجتماعي، صار لا يفرّق بين السلطة والعدو، بين رجل الأمن والمجرم. جيل “السليب كيبان”، والسروال الممزق، والفكر المسطح، والتمرد الأجوف، صار يرفع السلاح الأبيض في وجه الشرطي، ويتطاول على الأستاذ، ويهين القائد، غير مدرك أن ما يفعله ليس تمردًا، بل سقوطًا جماعيًا في قعر الانحطاط. كل اعتداء على رجل أمن أو موظف سلطة أو أستاذ، أثناء مزاولته لعمله، لا يُعدّ مجرد فعل إجرامي عابر، بل هو جريمة ضد الدولة ومؤسساتها. وفق الفصل 263 من القانون الجنائي المغربي، فإن “كل من أهان أو قاوم بالعنف أو التهديد موظفًا عموميًا أثناء تأديته لوظيفته، يُعاقب بأقصى درجات الردع”. فلماذا لا يُفعل القانون؟ لماذا يتكرّر العبث؟ وأين الردع الذي يُعيد الأمور إلى نصابها؟ السكوت لم يعد مقبولًا. إننا نطرح سؤالًا بسيطًا وحارقًا: لماذا لا يُخوَّل لرجال الدرك استعمال أسلحتهم الوظيفية لردع الخطر الداهم كما هو الأمر مع رجال الشرطة؟ هل يُعقل أن يُطعن الدركي وينزف ويُترك وحده يواجه مصيره، خوفًا من اللوم أو الحساب؟ إن استعمال السلاح الوظيفي للدفاع عن النفس حين تتوافر شروط الخطر الداهم هو حق مشروع ومكفول قانونًا وأخلاقيًا، بل هو واجب لحماية النفس، والمرفق، وهيبة الدولة. من منّا لا يشعر بالخجل؟ من منّا لا يُدرك أن ما يحدث ليس فقط اعتداءً على أشخاص، بل هو اعتداء على المغرب، على ما تبقى من شرفه، من قِيَمه، من روحه؟ لقد فقدنا البوصلة، وصرنا نربّي أبناءنا على الانفلات بدل الاحترام، وعلى التمرّد بدل الانضباط. أما أنا، فأقسم – وأنا ابن الخمسين – أنني كلما التقيت أستاذًا علّمني في صغري، أنحني له وأُقبّل يديه امتنانًا وإجلالًا، فهل نعلّم أبناءنا كيف يحترمون من علمهم وحماهم؟ لسنا في حاجة إلى خطب. نحن في حاجة إلى قرارات حازمة، وقوانين مُفعّلة، ومحاكمات سريعة ورادعة. نحن بحاجة إلى أن يُستعاد الاحترام المفقود، أن يُفهم أن رجل السلطة ليس “خصمًا”، بل هو حارس للمصلحة العامة. وأن الأستاذ ليس عدوًا، بل هو رسول المعرفة. وأن الوطن لا يُبنى بالسكين، بل بالقانون. هذا نداء، من صحفي يُحب وطنه، إلى من يملك القرار: أنقذوا الدولة من أيدي التافهين… واحموا رموز السيادة قبل أن يُصبح السلاح الأبيض لغة الشارع.

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى