الجهة الشرقية تغرق في البطالة: الناظور، بركان، وجدة…إخفاق سياسي في تنزيل الرؤية الملكية.

ريف ديا : أحمد علي المرس
في زمن أصبحت فيه الجغرافيا الاقتصادية مقياسًا حقيقيًا لمدى نجاعة السياسات العمومية، تبرز الجهة الشرقية للمملكة المغربية كأنموذج صارخ للفشل التنموي، وكساحة مفتوحة للتفاوتات الصارخة والتهميش الممنهج، حيث تتوالى الأرقام الصادمة عامًا بعد عام دون أن تحرك الجهات المنتخبة ساكنًا، أو تتبلور سياسات فعلية قادرة على مجابهة الأزمة الخانقة التي تطحن المواطن البسيط؟ فوفقًا لما كشفت عنه المندوبية السامية للتخطيط في تقريرها حول وضعية سوق الشغل خلال الفصل الأول من سنة 2025، جاءت الجهة الشرقية في صدارة الجهات المغربية من حيث معدل البطالة، بنسبة قياسية بلغت 25.2%، متجاوزة بذلك المعدل الوطني (13.3%) بفارق مهول، ومتقدمة حتى على جهات الجنوب التي سجلت نسبة بطالة بلغت 23.8%.

الأدهى من ذلك، أن الجهة الشرقية سجّلت أدنى معدل نشاط اقتصادي على المستوى الوطني بنسبة لا تتجاوز 39.3%، في وقت تجاوزت فيه بعض الجهات الأخرى، كطنجة-تطوان-الحسيمة، المعدل الوطني البالغ 42.9%. وتُعد هذه المؤشرات مؤشرًا صارخًا على الشلل شبه التام في الدورة الاقتصادية للجهة. صورة قاتمة تُعري أعطاب السياسات المحلية، الأرقام لا تكذب، لكنها تفضح. والفضيحة هنا مزدوجة: فمن جهة، تكشف الأرقام الرسمية حجم التفاوت الجهوي والتنموي؛ ومن جهة أخرى، تضع الأصبع على الجرح العميق المتعلق بتقصير المنتخبين المحليين والمسؤولين عن الشأن العام في تنزيل الرؤية الحكيمة والمتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، لا سيما في ما يخص المشروع المجتمعي الملكي الداعم للمقاولات الصغرى والمتوسطة، ومحاربة البطالة وخلق فرص الشغل.

لقد دعا جلالة الملك في أكثر من خطاب سامٍ إلى ضرورة تفعيل النموذج التنموي الجديد على المستوى الجهوي، وخلق جسور واقعية بين الفعل السياسي والممارسة الميدانية في التنمية الاجتماعية والاقتصادية. لكن، ويا للأسف، فإن النخب السياسية المحلية في الجهة الشرقية لا تزال تسبح في مستنقع الارتجال، والمحسوبية، وانعدام الكفاءة، وهو ما يترجمه غياب أي مخططات فعالة لدعم الاستثمار أو تحفيز التشغيل.

مقاولات متوسطة و صغرى تموت في مهدها، في الجهة الشرقية، تختنق المقاولات الصغرى والمتوسطة تحت وطأة البيروقراطية، وغياب التمويل، وتضييق الولوج إلى الصفقات العمومية. والمفارقة أن هذه الفئة من المقاولات تمثل المحرك الأول لتشغيل الشباب، وهي السبيل العملي لمحاربة البطالة. فكيف يُعقل أن تُرفع الشعارات في الهواء، بينما الواقع على الأرض يقول إن بيئة الأعمال في الجهة تُطرد الاستثمار عوض أن تجلبه؟
المطلوب؟ محاسبة قبل الإنقاذ
إن الوضعية الراهنة تتطلب وقفة صارمة من قبل السلطات المركزية لمساءلة المسؤولين عن تدبير الشأن المحلي، وفتح تحقيق جدي في أسباب تأخر المشاريع، وتقييم نجاعة المجالس المنتخبة التي استنزفت الزمن التنموي في الوعود الفارغة. كما أن الجهة الشرقية لا تحتاج إلى برامج ظرفية أو حملات موسمية، بل إلى رؤية تنموية جهوية متكاملة، يكون عمادها الاستثمار، ودعم المقاولة، وتحفيز التشغيل، وتخليق الحياة العامة.
إن تكرار الحديث عن الأزمة لم يعد كافيًا، والمواطن الشرقي لم يعد يحتمل مزيدًا من التسويف. فإما أن يُرفع الحيف التاريخي عن الجهة الشرقية، أو أن نعلن صراحة عن عجزنا وفشلنا الجماعي في بناء مغرب الجهات، الذي نادى به عاهل البلاد حفظه الله.








