
بين دراجة “مارك روته” وسيارات المسؤولين المغاربة…أيّ وطن هذا الذي يُنتهب في صمت؟
ريف ديا /// احمد علي المرس
في مشهد حضاري نادر، انتشر مقطع مصوّر لرئيس وزراء هولندا السابق مارك روته وهو يغادر مكتبه بعد 14 سنة من تسيير شؤون الحكم، لا بسيارة مصفحة، ولا بمرافقة أمنية مشددة، بل على دراجته الهوائية البسيطة، تمامًا كما كان يفعل طوال سنوات حكمه. لا تقاعد فاخر، لا حواجز تفصل بينه وبين الناس، ولا مظاهر تبجّح بسلطة أفلت من يده.
هذا المشهد، الذي أثار إعجاب العالم، يقف في تناقض صارخ أمام واقع مسؤولينا ووزرائنا في المغرب، الذين يخلعون جلودهم السياسية فور مغادرة الكراسي، لا ليتواضعوا، بل ليعودوا إلى أبراجهم العالية وسياراتهم الفارهة، ويتقاضوا معاشات سمينة كأنما خلّصوا البلاد من المجاعة وأطفأوا جذوة الفساد.
إننا في المغرب أمام صنف سياسي لا يؤمن بالزهد في السلطة، بل يعتبرها غنيمة شخصية، ومصدرًا للامتيازات التي لا تنتهي. المسؤول عندنا، حين يُغادر المنصب، يغادره وهو يحرص على ألا يغادر شيئًا آخر: لا الامتيازات، لا السيارات، ولا حاشية “السمسرة” التي ترافقه حتى في عطالته السياسية. وكأن الوطن مزرعة شخصية تُحلب إلى آخر قطرة.
ماذا قدّم هؤلاء للوطن حتى يُكافأوا بهذا الشكل الفجّ؟ ما الإصلاحات الجذرية التي أحدثوها؟ أي تعليم أنقذوا؟ وأي صحة رمّموا؟ أي عدالة أرجعوا لها ميزانها المائل؟ الحقيقة المؤلمة أن أغلبهم لم يفعلوا شيئًا سوى خدمة مصالحهم الشخصية، وتضخيم أرصدتهم، وتنصيب أبنائهم في المناصب العليا، واللعب على حبال الشعارات الجوفاء.
أما حين يُطالب المواطن بإلغاء معاشات البرلمانيين والوزراء، نجدهم يُشهرون فزّاعة “الاستقرار السياسي”، وكأن معاشاتهم الباذخة صمام أمان للوطن! في حين أن السياسي الحقيقي لا يحتاج لمكافأة بعد نهاية خدمته، لأنه يعتبر نفسه خادمًا للوطن، لا مُستثمرًا في خيرات الدولة.
مارك روته، بتواضعه، بساطته، وخروجه من السلطة دون ضجيج ولا مظاهر تبجيل، يلقّن السياسيين المغاربة درسًا في الأخلاق السياسية والنبل الإنساني، لكن من يفهم الدروس في زمن أصبح فيه الصمت هو الوطنية، والولاء هو التطبيل، والنقد يُقرأ على أنه خيانة؟
لسنا بحاجة إلى سياسيين “يتبرّكون” بالمناصب، ولا إلى وزراء يخلطون بين الوظيفة العمومية والغنيمة الشخصية. نحن بحاجة إلى رجال دولة لا يُعرفون بكثرة صورهم في المجلات الرسمية، بل بأثرهم في حياة الناس.
أفيقوا أيها المتربعون على عروش الريع، فإن دراجة روته أقوى من موكب سياراتكم، وإن احترام الناس أبلغ من تقاريركم المزيفة.






