
“الناظور في قلب أكبر مشروع كهربائي بحري في العالم”
ريف ديا
عاد مشروع الربط الكهربائي البحري بين المغرب وفرنسا إلى واجهة النقاشات الثنائية، باعتباره من أبرز الأوراش الطاقية الطموحة والمعقدة في حوض البحر الأبيض المتوسط. فقد شكّل هذا المشروع محوراً رئيسياً في اللقاء الذي جمع وزيرة الانتقال الطاقي والتنمية المستدامة، ليلى بنعلي، بنظيرها الفرنسي مارس فيراشي، يوم الجمعة 6 يونيو 2025 بالعاصمة باريس، في إشارة واضحة إلى الأهمية الاستراتيجية التي يحظى بها ضمن أجندة التعاون الطاقي بين البلدين.
ويُنتظر أن يربط المشروع بين مدينة الناظور في شمال شرق المغرب ومدينة “فو سير مير” الساحلية جنوب فرنسا، عبر كابل بحري يمتد على مسافة تقارب 1300 كيلومتر تحت مياه المتوسط. وقدّرت شبكة نقل الكهرباء الفرنسية “RTE” تكلفة المشروع بما بين 4.4 و9.4 مليارات يورو، مع متوسط تقديري يبلغ 6.2 مليارات يورو، أي ما يعادل 4.8 ملايين يورو لكل كيلومتر، من أجل تأمين قدرة نقل كهربائية تصل إلى 2 غيغاواط.
تقديرات التكلفة بنيت على معايير تقنية واقتصادية، من ضمنها مشروع “Great Sea Interconnector” الرابط بين اليونان وقبرص، مع احتساب زيادات سعرية تراكمية وصلت إلى 25% سنوياً في أسعار الكابلات، و10% في تكاليف التركيب خلال الفترة ما بين 2023 و2025، إلى جانب تكاليف إضافية تشمل الدراسات البحرية، التخزين، التأمين، التقييم البيئي، والبنية التحتية للألياف البصرية.
ويُصنّف المشروع باعتباره الأكبر من نوعه في العالم من حيث المسافة والعمق، إذ من المتوقع أن يمتد على عمق يصل إلى 2800 متر، ما يُضفي عليه طابعًا تكنولوجيًا معقدًا، خصوصاً في ظل غياب سوابق مشابهة تجمع بين هذا الطول والعمق في مشروع واحد.
ومن بين أبرز التحديات التقنية، يبرز ضعف قدرة بعض أنواع الكابلات، كـ”XLPE”، على العمل في الأعماق الكبيرة. لذلك، تشير التقارير إلى أن الخيار الأقرب هو اعتماد كابلات “MI” المشبعة بالزيت، رغم كونها أعلى تكلفة وأقل كفاءة في نقل الطاقة. وقد اقترحت شبكة RTE استخدام أربعة كابلات من الألمنيوم بمقطع 1400 مم²، ما يعادل 5200 كيلومتر من الكابلات الممددة في قاع البحر.
وتُشير معطيات المجلس الدولي للشبكات الكهربائية الكبرى (CIGRE) إلى أن معدل العطل في هذا النوع من الكابلات يصل إلى 0.014 حالة لكل 100 كيلومتر سنويًا، ما يعني أن المشروع قد يواجه عطلاً كل خمس سنوات ونصف تقريباً، مع فترات انقطاع قد تتراوح بين 105 و315 يوماً، بالنظر إلى محدودية السفن المتخصصة وصعوبة عمليات الإصلاح في أعماق كهذه.
ووفق السيناريوهات التقنية، يُتوقع أن يبلغ معدل توافر الخدمة نحو 95% في الظروف العادية، وقد ينخفض إلى 85% في حال تفاقمت المخاطر، وهو ما قد يرفع من كلفة كل ميغاواط/ساعة في حال تم اعتماد نموذج التصدير المباشر للكهرباء من المغرب إلى أوروبا خارج الشبكة المحلية، مما يُهدد الجدوى الاقتصادية للمشروع في حال تكررت الانقطاعات.
رغم ذلك، يُمثّل الربط الكهربائي بين المغرب وفرنسا رهانًا استراتيجيًا يتجاوز الإكراهات التقنية، ليُكرّس موقع المملكة كمصدر موثوق للطاقة المتجددة نحو أوروبا، ويُعزز الأمن الطاقي في الضفة الشمالية للمتوسط. لكن تظل التحديات التقنية والمالية الحاسمة عناصر يجب التعامل معها بحذر، لضمان استدامة هذا المشروع غير المسبوق.






