ميناء طنجة المتوسط:حين تعبر أطنان الحشيش وتُشهر الأسئلة الحارقة

ريف ديا /// احمد علي المرس

في سياق متوتر وحساس، لا تزال قضية التهريب الدولي للمخدرات تلقي بظلالها الثقيلة على ميناء طنجة المتوسط، بوصفه أحد أهم المعابر البحرية الحيوية نحو أوروبا، ومركزاً استراتيجياً يربط بين إفريقيا وأوروبا. فما إن هدأ صدى خبر العملية التي باشرتها السلطات الإسبانية مؤخراً، حتى بدأت ملامح الحرج والتساؤل تطفو إلى السطح.
ففي الأسبوع المنصرم، أعلن الحرس المدني الإسباني عن حجز شحنة ضخمة من مخدر الحشيش، قُدّرت كميتها بـ 4.7 أطنان، كانت قد عبرت من ميناء طنجة المتوسط دون أن يُكشف أمرها، لتُحجز لاحقاً عند مدخل ميناء الجزيرة الخضراء جنوب إسبانيا. ووفقًا لما ورد عن ذات المصدر، فإن الشحنة – التي بلغ وزنها الدقيق 4,762 كيلوغراماً من راتنج الحشيش – كانت مُخبأة بإتقان داخل ألواح معدّلة في مقطورة شاحنة يقودها مواطن مغربي.
اللافت في هذه العملية، والذي زاد من حدّة التساؤلات، هو تشابه مكان تخبئة الحشيش بين العمليتين في الخشب داخل الشاحنات، ما يرجّح فرضية وجود شبكة منظمة تعتمد على أساليب مكررة ومضبوطة بدقة، ما يستدعي يقظة أكبر وتنسيقاً استخباراتياً أوسع.
هذا الحدث فجّر موجةً من الضغط المؤسسي والسياسي على السلطات المغربية المشرفة على عمليات التفتيش والمراقبة بالميناء. إذ بدا مستعصياً على الفهم – من وجهة نظر الرأي العام – كيف يمكن لشحنة بهذه الضخامة أن تنفذ من جميع المستويات الأمنية، رغم توفر أحدث التقنيات اللوجستيكية، وأجهزة المسح الضوئي المتطورة (السكانير)، إلى جانب وحدات الكلاب المدربة، وفرق متخصصة من الأمن والجمارك تعمل وفق منظومة رقابة مشددة.
الضغط تَرجَم نفسه بشكل فوري عبر تعليمات مركزية صارمة، تُلزم بتشديد إجراءات التفتيش، وتفعيل المسح العميق للمقطورات، بل واعتماد التحليل الاستخباراتي المتقدم لمتابعة شبكات التهريب، وتتبع خيوط المافيا العابرة للحدود التي تنسج خيوطها في الظل.
ولم يمرّ وقت طويل حتى حمل يوم الاثنين 16 يونيو 2025 معه ردًّا ميدانيًا حاسمًا، تمثّل في عملية نوعية نفذتها عناصر الأمن الوطني بشراكة وتنسيق مع مصلحة الجمارك بميناء طنجة المتوسط، حيث تم إحباط محاولة جديدة لتهريب كمية أكبر من الحشيش كانت موجهة نحو نفس الميناء الإسباني، الجزيرة الخضراء.
ووفق ما أفادت به مصادر ميدانية، فإن العملية أسفرت عن حجز أكثر من 5 أطنان من مخدر الحشيش، كانت مُخبّأة بعناية داخل شحنة من الفلفل مخصصة للتصدير، على متن مقطورة شاحنة للنقل الدولي مرقّمة بالمغرب. وقد تم كشف الخدعة بفضل الصور الملتقطة عبر الماسح الضوئي السكانير التي أثارت الشكوك، ما دفع بعناصر المراقبة إلى تحويل الشاحنة إلى منطقة التفتيش اليدوي (Dépotage) حيث تم تأكيد الاشتباه، والعثور على المخدرات.
هذه العملية – وإن كانت تحمل في طياتها عنصر النجاح الأمني – تُعيد التذكير بواقع الضغط الدائم الذي يرزح تحته جهاز المراقبة والتفتيش بالميناء. فكل عملية فشل تمرّ بلا اكتشاف، تُترجم لاحقًا في صورة اتهامات علنية وشبهات داخلية تطال كل من له صلة ولو بعيدة بالمراقبة، حتى وإن كانت الظاهرة في الأصل مرتبطة بدهاء شبكات تهريب متطورة تعتمد تقنيات الإخفاء عالية الدقة، وتحظى أحيانًا بدعم دولي أو تواطؤ من جهات خارجية يصعب رصدها.
وفي ضوء هذه المعطيات، يبرز سؤال عميق: هل المطلوب من عناصر المراقبة أن تكون أجهزة استشعار بشرية معصومة من الخطأ في ظل وتيرة عمل مرهقة، وضغط نفسي دائم، وسيل من المركبات والشاحنات يعبر يوميًا بالمئات؟
أم أن الحل الحقيقي يكمُن في إعادة هيكلة المنظومة الرقابية بدمج التقنيات الذكية، وتوسيع التنسيق الاستخباراتي مع دول العبور والوصول، بدل تحميل المسؤولية الفردية لكل موظف تموضع صدفة على خط الأزمة؟
المعركة ضد شبكات تهريب المخدرات معركة أمن وذكاء وصبر طويل النفس، ولا تدار بالاتهامات اللحظية، بل عبر استراتيجيات شمولية تأخذ بعين الاعتبار العوامل البشرية، والتقنية، والمحيط الجيوسياسي الذي بات جزءاً لا يتجزأ من شبكة الخطر.
وإلى حين تطويق هذه الشبكات، سيظل ميناء طنجة المتوسط في عين العاصفة، بين التحدي والتحدي المضاد، في معركة لا هوادة فيها ضد عصابات لا تنام.

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة adblock

المرجوا توقيف برنامج منع الإعلانات لمواصلة التصفح