أحمد المرس: حين يتحول مهرجان موازين إلى مرآة لعطب المجتمع

أحمد المرس

في زمن أصيبت فيه البوصلة الاجتماعية بالاختلال، وتفقد فيه مؤسسات الدولة إحساسها بالمسؤولية، يصبح من المشروع بل من الضروري أن نطرح سؤالًا أخلاقيًا الى أين نمضي بشبابنا؟ وإلى أي هاوية نسيرهم طوعًا باسم “الثقافة والفن والترفيه”؟

رغم اتساع رقعة الترفيه وتعدد المنصات والمهرجانات، ما زال الواقع المغربي يشهد مفارقة صارخة بين الشعارات المعلنة والحقائق الميدانية، ولعل مهرجان “موازين” – الذي وُصف لعقود بأنه واجهة للتنوع الثقافي والانفتاح – قد تحوّل في نظر كثيرين إلى مرآة تعكس حجم الانحدار القيمي الذي تتخبط فيه فئات من شباب البلاد.

في فيديو صادم بثته إحدى المنصات الإلكترونية، جالت الكاميرا وسط حشود المنصة الرئيسية للمهرجان، لتُخرج إلى العلن وجوهًا لم تعد تعبّر عن الفرح ولا عن الانخراط في الثقافة والفن، بل عن تيهٍ عميق وانفصال تام عن الواقع، حيث ظهر شاب يهتف من أعماق فوضاه: “نريد دو بوان deux point”، وآخر يبحث عن “القرقوبي” (حبوب مهلوسة) كأنه سلعة ضرورية في أمسية طرب، فيما يعبّر ثالث عن سخطه من أسعار “اكساطزي”، لتبلغ ذروة الصدمة مع شاب نطق بالحقيقة المرة: “لا يُعقل أن نكون بلدًا يزرع الحشيش ويبيعه لأبنائه بثمن أغلى من الذهب!”.

وهذا ليس مجرد تصريح عابر، بل جملة تختزل مأساة كاملة، جيل بأكمله يستهلك السم، ويبتاعه في علب مغلّفة بالأضواء والصخب، بينما الدولة تبتسم خلف منصات الخطابة، وتغرق في طوفان البلاغات الوزارية.

كيف يمكن تفسير صمت الحكومة، بكل مؤسساتها الأمنية والتشريعية والثقافية، أمام هذه المشاهد، أهو استسلام لواقع مأساوي، أم جهل بخطورة ما يقع أم رضا غير معلن عن سياسة الهروب إلى الأمام؟ في الوقت الذي تنهار فيه المدارس القروية تحت ثقل الجدران المتشققة، وتُغلق فيه مراكز الشباب كما تُغلق زنازين النسيان، تُنفق الملايين على مهرجانات يصفّق فيها البعض للهذيان، ويُرَوَّج خلالها لكل أشكال الانفلات.

أي نموذج تنشده وزارة الشباب والرياضة – أو ما بات يُعرف تهكمًا بـ”وزارة الترفيه والانبطاح” – حين تصرف الملايير على حفلات وDJ، بينما شباب البلاد يئنّون تحت وطأة الإدمان، والبطالة، وانعدام الأفق، في وقت تصصاعد فيه الأصوات المطالبة بتلك الميزانيات أن تتحول إلى مشاريع تُنقذ ما تبقى من العقل الجمعي وإلى مراكز علاج.

ما حدث ليس هفوة تنظيمية، بل تعبير عن أزمة قيم مستفحلة، وعن أزمة ضمير ووعي وتخطيط، وهي ليست أزمة شباب، بل أزمة دولة لم تعد تميز بين الترفيه والتخدير، ولا بين الثقافة والتمويه.

في قلب هذا الخراب، يطلّ سؤال اللحظة بكل عنفوانه، من سيحمل المشعل؟ شباب يقول أحدهم أمام الكاميرا بملء فمه: “كلنا كنستعمل القرقوبي.. راه هو اللي كيعقلنا!”؟ أيّ مستقبل ننتظر إذا كان العقل يُستعان عليه بالمهلوسات؟ وهل نملك ترف تجاهل هذا الانهيار الأخلاقي تحت ذريعة الفن؟

مهرجان “موازين” اليوم وبإجماع المتابعين لا يعبّر عن ميزان ثقافي، بل عن اختلال أخلاقي، وصمت الدولة أمام هذه الكوارث ليس حيادًا، بل مشاركة غير مباشرة في عملية الإعدام البطيء لقيم المجتمع، فهل من رجل رشيد يعيد ترتيب الأولويات ومسؤول يعترف بأننا صرنا نرقص على إيقاع السقوط الحر؟

لا بد من التأكيد أننا لسنا ضد الفن، ولسنا ضد الاحتفاء بالحياة،  لكننا ضد تسويق الضياع على أنه ترفيه، وضد كل تبذير لأموال الشعب على منصات الانفلات بدل مدارس الأمل، وضد كل من يريد صناعة جيل بلا ذاكرة، بلا وعي، وبلا بوصلة.

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى