
معاناة الجالية والمقاولات المغربية… مشاكل بالجملة وحلول مقترحة
ريف ديا – بني أنصار
في ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها قطاع النقل الدولي البحري، وبين أروقة الموانئ المتأهبة كل صيف لاستقبال قوافل الجالية المغربية المقيمة بالخارج، تنكشف مرة أخرى أعطاب المنظومة وصمت الجهات الوصية، لتتجدد بذلك معاناة مزدوجة: الأولى تخص المواطنين العائدين إلى الوطن بشوق وحنين، والثانية تخص أرباب شركات النقل الدولي للبضائع الذين وجدوا أنفسهم عالقين بين مطرقة البيروقراطية وسندان التجاهل الوزارة الوصية .
تعاني الجالية المغربية من ظروف نقل قاسية كلما حل موسم العودة إلى الوطن، خاصة عبر الخطوط البحرية التي تُعتبر الخيار الأكثر اعتمادًا بين الجالية، نظرًا لحاجتهم لنقل مركباتهم ومعداتهم. إلا أن الواقع يكشف عن غياب فاضح لشركات مغربية للنقل البحري، وسط هيمنة أجنبية واضحة على المرافق والموانئ، ما يجعل تكلفة التذاكر رهينة لتقلبات السوق واحتكار العرض.
وإذا كانت الوزارة الوصية تتحمل المسؤولية السياسية والإدارية المباشرة عن هذا القطاع الحيوي، فإن سياسة التحرير العشوائي التي انتهجت منذ سنوات، ساهمت في تقويض مكانة المغرب البحرية وإقصاء الشركات الوطنية من خريطة الملاحة الدولية. وهو ما أدى إلى الوضع الحالي من الغلاء، وسوء الخدمات، وفقدان التوازن بين العرض والطلب.
لقد كنّا بالأمس القريب، حين كان الأسطول البحري المغربي حاضرًا، نعيش لحظات من الفخر والانتماء؛ فقد كانت بواخر مثل “مراكش”، و”بركان”، و”ابن بطوطة”، و”أوزود”، تجوب البحار بأطقم مغربية متميزة، ذات كفاءة عالية وخدمة راقية، تجعل المسافر يشعر بأنه في وطنه قبل أن تطأ قدماه أرض الوطن. كان المسافر المغربي يعتز برفع علم بلاده في عرض البحر، ويشعر بانتمائه أكثر عندما يستقبله طاقم يتحدث بلغته، ويقدم له خدمات راقية تستجيب لخصوصياته الثقافية والدينية. اليوم، تحوّل ذلك الشعور إلى مجرد حنين مؤلم، بعدما تم التخلي عن هذا المكسب الاستراتيجي لصالح شركات أجنبية، لا تولي سوى الأهمية للربح دون مراعاة البعد الوطني والإنساني في هذه الرحلات التي تربط الجالية بأرضها الأم.
وما زاد الطين بلة، هو تبرير وزير النقل عبد الصمد قيوح لغلاء الأسعار بكون المملكة “تخضع لقواعد السوق الحرة”، وهو تبرير وُصف من طرف عدد من أفراد الجالية بـ”غير المقنع”، خاصة وأنهم يساهمون سنويًا في رفع احتياطي المملكة من العملة الصعبة، ويُعتبرون من الركائز الاقتصادية الوطنية. لقد أثارت هذه الإشكالية فرق برلمانية في جلسات سابقة، مطالبة الحكومة بإيجاد بديل وطني يُعيد السيادة البحرية للمغرب، ويخفف العبء عن هذه الفئة التي تظل رغم كل الظروف، وفية لوطنها ومتصلة بأرضها الأم.
وعلى الضفة الأخرى، تعيش مقاولات النقل الدولي للبضائع مأساة صامتة، أقل ما يُقال عنها إنها إقصاء ممنهج من حقها المشروع في العمل بكرامة. يتعلق الأمر بما يُعرف بـ”رخصة القرار الخاص بالمسطرة المبسطة” للبضائع غير المرافقة، وهي وثيقة قانونية ضرورية تسهل عبور سلع الجالية المغربية من أوروبا إلى المغرب والعكس، دون تعقيد أو تماطل. لكن، رغم كثرة النداءات والطلبات المقدمة منذ سنوات، لا تزال مصالح الجمارك المغربية ترفض، دون مبرر قانوني واضح، منح هذه الرخص للمقاولات المغربية، متسببة في تعقيد المساطر الجمركية، وتكبيد المهنيين خسائر فادحة، ما يجعل مستقبل عدد من الشركات مهددًا بالإفلاس.
وفي هذا الصدد، فإن قرار المسطرة المبسطة المتعلق بالأمتعة غير المرافقة يجب أن يخضع إما للتعميم على باقي مقاولات النقل الدولي التي تستوفي الشروط القانونية والمهنية، أو أن يتم سحبه من المقاولات التي حصلت عليه سابقًا في ظل القانون القديم، وذلك في إطار مبدأ تكافؤ الفرص والمنافسة الشريفة والولوج السليم والعادل لخدمات وامتيازات الإدارة الجمركية. وهذا ما ينص عليه الدستور المغربي صراحة، ويؤكده التوجه الملكي السامي لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، الذي ما فتئ يولي اهتمامًا خاصًا بهذه الفئة من المقاولات الصغيرة والصغيرة جدًا، لاسيما لما تقدمه من خدمات جليلة ومباشرة للجالية المغربية المقيمة بالخارج، في بعدها الإنساني والاقتصادي والاجتماعي.
لقد آن الأوان لمراجعة شاملة لسياسات النقل البحري والجمركي بالمغرب. فالمطلوب ليس فقط فتح قنوات الاستماع، بل التفاعل الحقيقي مع قضايا المهنيين والجالية، عبر دعم شركات النقل الوطنية، وتقنين الأسعار، وتسريع الإجراءات الجمركية، وعلى رأسها تفعيل المسطرة المبسطة لكل من يستوفي الشروط، دون محاباة أو تأخير. لأن مغرب الكرامة لا يُبنى بالشعارات، بل بالإرادة السياسية، والانتصار للحق، والاعتراف بدور الجالية وأرباب المقاولات في بناء الاقتصاد الوطني.






