وثائقي يُفجّر مفاجأة: “شيراك” اقترح على “أزنار” تسليم سبتة ومليلية للمغرب

ريف ديا – متابعة

لم يكن أحد يتوقع أن يعود رئيس الوزراء الإسباني الأسبق خوسيه ماريا أزنار، بعد أكثر من عقدين، ليُفجّر قنبلة دبلوماسية من العيار الثقيل: جاك شيراك، الرئيس الفرنسي الراحل، طلب منه صراحةً «تسليم» سبتة ومليلية للمغرب كحلٍّ للأزمة التي أشعلت المتوسط صيف 2002، والمعروفة بأزمة جزيرة ليلى.

الكشف جاء في الفيلم الوثائقي «جزيرة ليلى، الحرب التي لم تكن»، الذي يروي خمسة أيام حبست خلالها مدريد وأنحاء شمال إفريقيا أنفاسها، بعد أن أنزل المغرب عشرات الجنود في جزيرة صخرية غير مأهولة، فأطلقت إسبانيا عملية عسكرية محدودة لاستعادتها دون قطرة دم.

حديث أزنار لم يقتصر على توصيف الموقف الفرنسي بالمؤيد للمغرب، بل روى تفاصيل مكالمة مع شيراك قال فيها الأخير: «أفضل ما يمكنكم فعله هو تسليم سبتة ومليلية والصحراء»، أثنار يردّ عليه بلا تردّد: «مستحيل».

لم يكن هذا مجرد مقترح دبلوماسي، بل – بحسب تعبير بعض المراقبين – «عرضٌ تاريخي لو حدث لكان غيّر وجه المتوسط»، فهذه أول مرة يظهر فيها، علنًا، أن زعيمًا أوروبيًا كبيرًا فكّر في تصفية ملف المستعمرات الإسبانية القديمة لصالح الرباط.

حتى الآن، يلفّ الصمت الرسمي باريس والرباط. لكن وسائل الإعلام الإسبانية ومواقع التواصل السياسي تلقّفت القصة كفضيحة دفينة ظلت حبيسة الكواليس الدبلوماسية، كيف لرئيس فرنسي أن يقترح ما وصفه منتقدو شيراك بـ«خيانة المصالح الإسبانية لصالح توازن إقليمي»؟

في المقابل، يرى البعض أن تصريح أزنار نفسه لا يخلو من حسابات سياسية، خصوصًا أنه جاء في سياق تبرير تشدّده آنذاك ورفضه تقديم أي تنازل، وهو الموقف الذي ما يزال يلقى صدىً واسعًا في الأوساط القومية الإسبانية.

وثائقي «لا أفينتورا»، الذي بثته RTVE الإسبانية، يعيد سرد تلك الأيام بتفاصيلها: في 11 يوليو 2002، سيطر جنود مغاربة على جزيرة ليلى (تُسمى أيضًا «برخيل»)، فردّت حكومة أثنار بعملية عسكرية خاطفة لاستعادتها. بقي التوتر على أشده خمسة أيام، وسط صمتٍ أوروبيٍ لافت، خاصة من فرنسا التي بدت أقرب إلى الرباط منها إلى مدريد.

تقول صحيفة «إل فارو دي مليلية» إن الأزمة أظهرت هشاشة المساندة الأوروبية لإسبانيا في ملفات السيادة بشمال إفريقيا، واليوم، يعيد الفيلم فتح جرحٍ سياسيٍ ظلّ حبيس الأرشيف.

لم تكن سبتة ومليلية يوما مجرد نقطتين على الخريطة، بل بقيتا رمزًا لإرث استعماري، ونقطة نزاع دائمة بين الرباط ومدريد، تتحرك حسب الظرف الجيوستراتيجي. لكن الجديد هو هذا الإقرار بأن زعيمًا أوروبيًا تجرأ واقترح تسوية شاملة تُنهي عقودًا من الخلاف لصالح المغرب.

أثنار، الذي لا يخفي انحيازه لمفهوم «إسبانيا غير القابلة للتجزئة»، يقول اليوم إنه دافع عن «كل شبر من التراب الإسباني»، لكن اعترافه يطرح سؤالًا أكبر: هل المصالح الأوروبية، يومًا ما، يمكن أن تُرجّح كفةً على حساب سيادة حليف؟

ما كشفه أزنار لم يُعد فقط فتح ملفات قديمة، بل سلّط الضوء على لحظة مفصلية تذكر الإسبان بأن سبتة ومليلية، رغم كل شيء، لا تزالان ورقتين في لعبة الجغرافيا السياسية للمتوسط. وفي وقتٍ ما تزال فيه العلاقات بين مدريد والرباط توازن على خيط دقيق، تبقى كلمات أثنار شهادةً غير مريحة تُذكّر الجميع بأن التاريخ، أحيانًا، يُكتَب بعيدًا عن الأضواء.

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى