مؤتمر الاتحاد الاشتراكي بالناظور.. قاعة أفراح تحولت الى قاعة أحزان!

ريف ديا – الناظور

في خضمّ سياق سياسي محلي يتّسم بالتوتّر والتجاذب بين الأقطاب، شهدت قاعة الوحدة بمدينة الناظور انعقاد المؤتمر الإقليمي الخامس لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، بحضور الكاتب الأول إدريس لشكر وعدد من مناضلي الحزب وقياداته المحلية. إلا أن ما كان يُفترض أن يكون محطة تنظيمية عادية لتجديد الهياكل وتقييم الأداء، تحوّل إلى ساحة مواجهة بين تيارين قويين داخل الحزب، كشفا حجم الأزمة التنظيمية والسياسية التي يعاني منها الاتحاد الاشتراكي بالإقليم، الى أن تحولت قاعة الأفراح المحتضنة لهذ النشاط السياسي الى قاعة للأحزان، شهدت تبادل الاتهامات والسباب أمام مرأى ومسمع من جميع الحاضرين.

ثنائية أبركان وأزواغ: صراع نفوذ أم اختلاف رؤى؟

يُعتبر التيار الذي يتزعمه محمد أبركان، النائب البرلماني ورئيس جماعة إعزانن، الامتداد التقليدي للحزب بالإقليم، وهو تيار يرتكز على تجربة طويلة وشبكة علاقات راسخة في المشهد المحلي، تمتد داخل الجماعات الترابية وفي قلب القواعد الحزبية. في المقابل، يبرز سليمان أزواغ، رئيس جماعة الناظور، كممثل لخط سياسي صاعد يحاول الدفع بتجديد الخطاب والوجوه داخل التنظيم، ويستند إلى شرعية انتخابية حديثة.

هذا الانقسام لا يعكس فقط خلافاً على المواقع التنظيمية، بل يعبر عن تباين عميق في الرؤى حول طريقة تدبير الشأن الحزبي محلياً، وسبل تأهيل الحزب ليواكب التحولات الاجتماعية والانتخابية المتسارعة في الإقليم. أبركان، بما يحمله من رصيد سياسي، يُمثّل الاستمرارية والثبات، بينما أزواغ يُجسّد رغبة في القطع مع “الولاءات التقليدية” وبناء هيكل حزبي أكثر انفتاحاً ودمقرطة.

دور إدريس لشكر: بين الحفاظ على وحدة الحزب وفرض التوازن

قد يكون أبرز ما ميز هذا المؤتمر هو الحضور الشخصي للكاتب الأول إدريس لشكر، الذي بدا حريصاً على الإمساك بخيوط اللعبة التنظيمية في لحظة دقيقة. فاختيار تجديد الثقة في محمد أبركان ككاتب إقليمي لم يكن مجرد إجراء روتيني، بل رسالة سياسية مزدوجة: أولاً، إشارة إلى استمرار ثقة القيادة في رموز الحزب التقليديين، وثانياً، تأكيد على أهمية الحفاظ على الاستقرار التنظيمي من خلال دعم من أثبتوا قدرتهم على ضمان حضور انتخابي وازن، وبالتالي ضمان مقعد انتخابي في الاستحقاقات التشريعية المقبلة.

لكن تعيين سليمان أزواغ نائباً للكاتب الإقليمي يشير إلى إدراك قيادة الحزب لحجم التحولات داخل القاعدة، وحاجتها إلى إشراك التيار المنافس لتفادي التصدّع. هذه الخطوة “التوازنية” قد تبدو في ظاهرها توفيقية، لكنها في عمقها تعكس تردّداً في الحسم، ومحاولة لربح الوقت على حساب معالجة جوهر الأزمة.

ورغم خروج المؤتمر بتوافق منمق بـ “ماكياج” المكر والحيلة السياسية، الا أن ذلك لم يخفي حجم الشرخ الحاصل بين أبرشان وأزواغ، فالأول كان له الفضل الكبير في وصول الثاني لرئاسة جماعة الناظور، بل تأثيره الانتخابي والسياسي بالمنطقة هما من أوصلا أزواغ ليترأس مجلس مدينة الناظور.

في حين ظهر أزواغ بوجه شاحب أظهر فيه نوعا من نكران الذات لما أسداه له أبرشان خلال الانتخابات السابقة ودوره الكبير في الوصول لرئاسة الجماعة، وهو ما عابه عنه ملاحظون ومتتبعون للشأن المحلي.

توازن هش وردود فعل متباينة

نتائج المؤتمر لم تمر دون ضجيج، إذ تباينت ردود الأفعال بشكل لافت. أنصار أبركان اعتبروا تعيينه لولاية جديدة انتصاراً للشرعية، وتأكيداً على مكانته الرمزية والتنظيمية داخل الحزب، بينما تعامل أنصار أزواغ مع القرار بنوع من التحفظ، معتبرين تعيين زعيمهم نائباً مجرد “ترضية شكلية” لا تعكس واقع التوازنات الجديدة داخل الإقليم، ولا تطمئن إلى وجود نية حقيقية للتغيير في صفوف الحزب.

هذا التباين يعكس خللاً عميقاً في التواصل الداخلي، وغياب رؤية استراتيجية لتدبير التنوع داخل الهياكل الحزبية. فبدل أن يشكّل المؤتمر فرصة للتقارب والتوافق حول برنامج نضالي موحّد، تحوّل إلى محطة لكشف الشرخ التنظيمي وإبراز صراعات المواقع والنفوذ، فتحولت معه قاعة الوحدة للأفراح والمناسبات السعيدة الى قاعة للأحزان والتدافع والملاسنات.

إلى أين يتجه الاتحاد الاشتراكي بالناظور؟

الواضح أن حزب الاتحاد الاشتراكي بالناظور يقف اليوم أمام مفترق طرق حقيقي. فإما أن ينجح في تحويل هذه الأزمة إلى فرصة لإعادة ترتيب البيت الداخلي على أسس ديمقراطية وتشاركية، أو أن ينزلق نحو مزيد من التشرذم، مما قد يفقده ما تبقى من تماسكه التنظيمي ورصيده الانتخابي بالإقليم.

فالرهانات القادمة، سواء على مستوى الانتخابات الجماعية أو التشريعية، تتطلب حزباً موحّداً، بوجوه قادرة على إقناع الناخبين، وبخطاب يعكس هموم المواطنين بدل أن يُستنزف في صراعات الزعامات. كما أن استمرار الوضع الحالي، حيث تُدار التوازنات بالترضيات والقرارات العمودية، لن يؤدي سوى إلى مزيد من الاحتقان داخل القواعد، وربما إلى بروز تيارات موازية قد تضعف من تماسك الحزب وتهدد وحدته البنيوية.

ختاما:

لقد أبرز المؤتمر الإقليمي الخامس للاتحاد الاشتراكي بالناظور أن الحزب يمرّ بمرحلة دقيقة تستوجب كثيراً من الشجاعة التنظيمية والسياسية. فالصراع بين أبركان وأزواغ ليس مجرّد خلاف شخصي، بل هو تعبير عن صدام بين جيلين، ورؤيتين مختلفتين لمستقبل الحزب. وإذا لم يتم تدبير هذا الصدام بعقلانية وجرأة، فإن الاتحاد الاشتراكي سيكون أمام خطر التحلل التنظيمي في منطقة تعتبر من معاقله الانتخابية التقليدية.

وفي النهاية، فإن أكبر تحدٍّ يواجه الحزب اليوم ليس فقط في اختيار من يتولى المناصب، بل في إعادة بناء الثقة بين مكوناته، وتطوير أدواته النضالية لتواكب تطلعات المجتمع المحلي، بعيداً عن منطق الغلبة والولاءات الضيقة.

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى