ماذا يريد يحيى يحيى من الانتخابات المقبلة؟

بقلم: ياسين الحسناوي

في السياسة كما في الحياة، لا شيء يموت تمامًا، ثمة أسماء تختفي لتُستدعى، وأصوات تهمس من خلف الستار لتُضخّم من جديد، وهكذا تعود بعض الأسماء، لا لأن الزمن دعاها، بل لأن الفراغ صرخ.

يحيى يحيى… اسم يعرفه الشارع الناظوري جيدًا، لا يُنسى بسهولة، ولا يُمحى من الذاكرة المحلية كما تُمحى منشورات فيسبوك، خرج من الباب قبل سنوات وسط صخب، وها هو يعود من نافذة “الاتحاد الاشتراكي”، مستندًا إلى ما تبقى من صوته، وإلى صور محسوبة مع “الرفاق”، وإلى ملامح رجل يعرف جيدًا لعبة الظهور حين يندر البديل.

لكن، مهلاً… هل نحن أمام عودة طوعية؟ أم أمام عملية “إعادة تدوير” لزمن سياسي انتهى ولم يُدفن؟ وهل ما نراه اليوم هو نُضج تجربة أم مجرد محاولة أخيرة لصناعة حضور في مشهد تراجع فيه كل شيء، باستثناء الحنين إلى زمن لم يكن أبدًا مثاليًا؟

منذ أسابيع، بدأنا نقرأ بعين اليقين ملامح عودة مدروسة أو على الاقل هكذا نحسبها، حضور بارز في مؤتمر الاتحاد الاشتراكي بالناظور، صور تلتقط بعناية فائقة إلى جانب رموز حزبية محلية امثال أفراد الـ بوصابون، لقاءات اجتماعية تملأ الفراغات… كلها مؤشرات تدل على أن الرجل لا يغامر، بل يعود بخطة.

لكن السؤال الأهم: يعود إلى ماذا؟

هل يعود ليواجه الجيل نفسه الذي صوّت له في 2009؟ ذلك الجيل الذي كان يصفق للشعارات، وينتشي بخطاب العداء للثغور المحتلة؟ أم أنه يستعد لمواجهة جيل آخر، خرج من رحم اللامبالاة، جيل لا تهمه الكاريزما بقدر ما يبحث عن الماء، الشغل، الصحة، النقل، والتعليم…الخ

الزمن تغيّر يا سادة، والسياسة أيضًا لم تعد مجرد منصة للخطابة أو مسرحًا للبطولة الفردية، و الناس لم تعد تكتفي بالتصفير والهتاف، بل تسأل عن ماذا فعلت؟ وماذا ستفعل؟ والانتخابات المقبلة في الناظور ستكون على الأرجح امتحانًا لمستوى هذا التحوّل، ليس فقط في السلوك الانتخابي، بل في وعي الناس بالفرق بين “الزعيم” و”صاحب المشروع”.

يحيى، بكل ما يحمل من إثارة وجدل، ظل دائمًا شخصية رمادية في نظر خصومه، وضوءًا عابرًا في نظر محبيه، له مواقف مشاغبة ضد الرباط أحيانًا، وأسلوب شعبوي يُرضي المزاج العام أحيانًا أخرى، لكن هل هذا يكفي اليوم؟ هل ما زال يمكن للرمز أن يملأ الفراغ، دون أن يحمل بين يديه مشروعًا واقعيًا يتحدث لغة الأرقام، لا فقط لغة الهتاف؟

ولكي نكون منصفين، لا ينبغي أن نحصر النقاش في يحيى فقط، فالمشكلة أعمق، أعمق بكثير، نحن أمام مشهد سياسي محلي يفتقر إلى القادة الجدد، إلى وجوه نظيفة وذات كفاءة، إلى نخب شابة تقرأ الواقع بلغة اليوم، لا بلغة الأمس الغابر، فالجامعات تُنتج ديبلومات، لكنها لا تُنتج قيادات، والأحزاب تكتفي بتوزيع التزكيات لا بصناعة البدائل.

من هنا نفهم لماذا تعود الأسماء القديمة، ولماذا تُستدعى أوراق الماضي، لا حبًا فيها، بل خوفًا من السقوط في الفراغ.

عودة يحيى يحيى، إذًا، ليست قرارًا شخصيًا فقط، قد تكون تجسيدًا لتحالفات محلية تبحث عن خريطة انتخابية مستقرة، أو عن “قوة احتكاك” تملأ صمت المشهد، خصوصًا في ظل عجز الاتحاد الاشتراكي عن تجديد نَفَسه في مناطق عدة في المغرب منها الناظور.

لكن الرهان الحقيقي لا يكمن في الصور، ولا في الوجوه، الرهان في البرامج، في قدرة الرجل على أن يحدث قطيعة مع خطابه السابق، وأن يتحدث بلغة البلدية، لا بلغة السيادة، لأن الناس تريد طرقًا، مراكز صحية، إنارة عمومية، ماءً صالحًا للشرب، لا شعارات سيادية لا تخرج من قاعة الخطابة.

الكرة اليوم في ملعب الرجل، لكنه ليس الملعب نفسه الذي تألق فيه قبل سنوات، الجمهور تغير، والسياق تغير، واللعب بات أكثر تعقيدًا.

فهل يعيد يحيى يحيى تشكيل نفسه؟ أم يعيد فقط تشغيل الأسطوانة ذاتها في مسرح تغيّر فيه كل شيء… إلا الأشرطة القديمة؟

في السياسة، لا أحد يعود مجانًا، لكن السؤال الذي يؤرقنا هو هل تعود الوجوه بما ينفع، أم فقط بما يُشغل الضجيج؟

 

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة adblock

المرجوا توقيف برنامج منع الإعلانات لمواصلة التصفح