الجمارك تفتح علبة أسرار التهريب مستوردون، بنوك، وسماسرة تحت المجهر.

ريف ديا /// احمد علي المرس

في سياق التحريات المتواصلة التي تباشرها مصالح المراقبة الجمركية بعدد من المديريات الجهوية بالمملكة، وخاصة في كل من الدار البيضاء وطنجة وأكادير، توصلت الجريدة الإلكترونية “ريف ديّا”، وفقًا لمصادرها المطلعة، إلى معطيات خطيرة تكشف عن شبهات تلاعب ممنهج في وثائق الصرف وفواتير الاستيراد، وهو ما ورّط العشرات من الشركات و المستوردين خلال عمليات المراقبة البعدية التي أجريت في إطار المساطر الجمركية الروتينية.
وأفادت نفس المصادر، التي تتابع عن كثب مجريات هذه الأبحاث الدقيقة، أن التحقيقات كشفت عن تورط مستوردين في تقديم فواتير تم تزويرها عمدًا لتتناسب مع المبالغ المحولة عبر القنوات البنكية، حيث تم ضبط وثائق غير مطابقة للواقع، ما شكل خرقًا صريحًا لمقتضيات قانون الصرف المعمول به في المغرب.
ولم تتوقف خيوط هذه الفضيحة عند حدود التلاعب بالفواتير فحسب، بل اتضح من خلال تتبع مسارات التحويلات المالية، أن بعض المستوردين استعانوا بأشخاص مقيمين في دول آسيوية – وعلى رأسها الصين – لتكليفهم بأداء أثمان السلع المستوردة بالعملة المحلية (اليوان)، حتى في الحالات التي تعود فيها السلع في الأصل إلى مصادر بلدان أخرى ، فيما يتم تحويل المبالغ من المغرب إلى تجار صينيين يقيمون داخل التراب الوطني، في ما يُشتبه أن يكون جزءًا من شبكة صرف موازية تعمل خارج الضوابط القانونية والرقابة الرسمية.
وحسب نفس المعطيات، فقد تمكّن مراقبو الجمارك من تجميع بيانات دقيقة تؤكد أن بعض المستوردين لا يقومون إلا بتحويل نصف القيمة الحقيقية للسلع عبر مؤسساتهم البنكية، معتمدين على فواتير وسندات استيراد مزورة لاستخراج شهادات تحويل جزئية، تثبت أداءات غير مكتملة تُستغل لتقليص الرسوم الجمركية إلى النصف أو أقل، بينما يُسوّى الجزء المتبقي من قيمة البضائع في السوق السوداء، عن طريق وسطاء يوفرون عملة اليوان الصينية مقابل الدرهم المغربي حسب الطلب، ليُعاد تحويلها لاحقًا إلى الخارج تحت غطاء أرباح تجارية، وهي العملية التي قدّرت المصالح المختصة كلفتها الإجمالية في حدود 750 مليون درهم، أي ما يعادل 75 مليار سنتيم، وهو رقم صادم يعكس حجم التملص والاحتيال القائم.
ولم تقف التجاوزات عند هذا الحد، بل رصدت التحقيقات حالات أخرى استغل فيها المستوردون نزاعات تجارية صورية مع المصدّرين بعد إرسالهم مبالغ مالية إلى الخارج على شكل تسبيقات استيرادية مرخصة، ما جعل عملية استرجاع هذه الأموال إلى المملكة شبه مستحيلة، في تحايل موصوف على القانون المغربي. وقد كشفت التحقيقات أن الشركات المتورطة لجأت إلى خدمات وسطاء و سماسرة ذوي خبرة في المجال البنكي ومعشرين محترفين في تهريب الأموال إلى الخارج، و استغلال الثغراث القانونية، مع الاستفادة من تسهيلات الأداء المتوفرة في نظام
“كريدوك” (CREDOC)، حيث يلتزم البنك المصدر بتسديد قيمة الصفقة لفائدة المورد مقابل تقديم الوثائق عبر بنك في بلد التصدير، ما سمح بتغطية عمليات احتيالية معقدة.
وتواجه مصالح الجمارك تحديات جسيمة في هذا المجال، لاسيما في ظل تنامي ظاهرة خفض القيم الحقيقية للسلع المستوردة عند التصريح بها، وهو ما دفعها إلى تحديث منظومة المراقبة وتبني أساليب أكثر نجاعة لضبط التجاوزات، بما في ذلك التنسيق مع باقي القطاعات الوزارية والفيدراليات والجمعيات المهنية، إلى جانب تطوير أدوات التقييم والتحليل القطاعي، وإجراء أبحاث ميدانية داخل الشركات و مقاولات الاستيراد المشتبه فيها، فضلًا عن تفعيل آلية المساعدة الإدارية المتبادلة من خلال طلب معطيات من الإدارات الجمركية الأجنبية.
وتُظهر التحقيقات الجارية أن جل المشتبه فيهم قد عمدوا إلى استخدام شهادات تحويل وفواتير مزورة لتضليل السلطات الجمركية والمالية، مع تقديم قيم مصرح بها أدنى من الحقيقة، وهو ما ساعدهم على الإفلات من أداء الرسوم الجمركية المستحقة على السلع المستوردة، خصوصًا القادمة من الصين. وقد كشفت عمليات التدقيق وجود وثائق بنكية مشكوك في صحتها قُدمت من طرف المستوردين لإثبات تحويلات مالية إلى المزوّدين، لكنها، بعد إخضاعها للتحقيق، لم تُطابق القيمة الفعلية للسلع، مما يفتح الباب واسعًا أمام مساءلة قانونية ومالية قد تشمل أسماء ثقيلة في عالم الاستيراد والتجارة الدولية.
وبعد كل هذه التفاعلات، والتي كنا قد أشرنا إليها سابقًا في العديد من مقالاتنا، يظل السؤال الملح؟ هل ستتحرك الجهات المعنية وتباشر مساطر المتابعة القانونية؟ المدير العام لإدارة الجمارك، رئاسة النيابة العامة، الفرقة الوطنية للشرطة القضائية…الجميع مطالب اليوم بالتحرك الجدي والحاسم، لأن الأمر يتعلق بمليارات الدراهم وتهرب ضريبي صارخ يهز ثقة المواطنين في مؤسسات الرقابة والعدل.

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى