تحت الغطاء الحديدي: محركات السيارات تتحول إلى صناديق سوداء للتهريب.

ريف ديا /// احمد علي المرس

في مشهد يعيد طرح الأسئلة القديمة بأشكال جديدة، شهد ميناء طنجة المتوسط، وتحديدًا محطة المسافرين، يوم الخميس 24 يوليوز، محاولة تهريب محبوكة بخيوط التدليس الدقيق، حيث جرى ضبط كمية من الأحذية الرياضية الفاخرة وذات علامات تجارية عالمية، تم دسّها بدهاء داخل تجاويف ميكانيكية لمحركات سيارات مستعملة قادمة من أوروبا.
العملية، وإن أحبطت بفضل يقظة عناصر الجمارك، تكشف عن حقيقة مقلقة: المهرب لم يعد يشتغل في الظل، بل بات يُتقن حياكة الحيل تحت غطاء “الشرعية”، ويبتكر أساليب توحي بأنه لا يهرب، بل “ينقل” بذكاء، تحت أعين من يُفترض أنهم حماة القانون في المعابر.
وإن كنا قد سمعنا مرارًا مقولة “يتطور المهرب، ويتطور الجمركي”، فإن الواقع هذه المرة يُشيح بوجهه عن نصفها الثاني. فالمهرب يتطور فعلًا، و من يعرفون بالوسطاء ، أو بالأحرى بعضٌ من داخل “المعشر”، فإنهم يواكبون هذا التطور لا بردعه، بل بتمهيد الطريق له. ويُشار هنا، بكل أسف، إلى الدور المشبوه الذي أصبح يطفو على السطح لبعض العناصر، وعلى رأسهم من يُعرف في الأوساط بـ”الكومي”، ممن حولوا شرف المهنة إلى سلم رديء لصعود المهربين نحو هدفهم.
ولعل الأدهى في كل هذا، أن العملية تمت باستخدام طريقة لا تُشبه تهريب البضائع الاعتيادية، بل أقرب إلى “التهريب الذكي”، حيث تم تغليف الأحذية الرياضية بمادة بلاستيكية سوداء، تُستخدم خصيصًا لتفادي الخدوش والضرر أثناء التفتيش. إنها أساليب تشي بأن الأمر لا يتعلق بمهرب بسيط، بل بشبكة منظمة، تشتغل بتخطيط وتمويل وربما حتى بتواطؤ إداري ممنهج.
هنا، لا بد من التوقف أمام سؤال مُلح: من الذي يسمح لمثل هذه العربات المشبوهة بالمرور من المسالك التنظيمية دون إنذار؟ ومن يزكي هذا التغاضي، إن لم يكن هناك من يُشرعن السكوت، ويغض الطرف عن “اللامصرح به”؟ إن تكرار هذه العمليات، مع تعدد تقنياتها، لم يعد مجرد حادث عرضي، بل هو مؤشر على ثقافة تواطؤ كامنة في بعض مفاصل هذا الجهاز، وجب استئصالها فورًا.
إن الظرف الراهن يحتم على الجهات المعنية ـ من رئاسة إدارة الجمارك، إلى الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، مرورًا برئاسة النيابة العامة ـ أن تُسارع إلى تفعيل مساطر المتابعة والمساءلة، وألا تبقى هذه القضايا حبيسة المحاضر، أو أسيرة بيانات صحفية تُفرغ الواقع من جوهره وتقدمه كحدث منعزل، في حين أنه يندرج ضمن بنية مهترئة، تتطلب مراجعة هيكلية صارمة وشاملة.
إن ما وقع ليس مجرد تهريب بضائع، بل هو تهديد لأمن البلاد الاقتصادي والاجتماعي، وسلوك تدليسي يضرب في عمق السيادة التجارية، ويفتح أبوابًا خلفية لتسلل الأخطر: المخدرات، الأقراص المهلوسة، وربما أسلحة بيضاء أو سوداء، تُغرس في جسد الوطن دون أن ننتبه.
لا بد من التأكيد: إن الوطن لا يُحمى بالشعارات، بل بالمواقف الصارمة، والإرادة السياسية الصلبة، وتجفيف منابع الفساد التي بدأت تتكاثر تحت عباءة “المعشر”، ويقودها رموز يُفترض أن يكونوا أمناء على الثغور، لا سماسرة على بوابات التهريب.

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى