
المشهد الحزبي المغربي: صمت القبور في زمن الصفقات السياسية… أين اختفى أخنوش؟
ريف ديا /// احمد علي المرس
في مشهد سياسي مترهل ومجتمع يعيش على صفيح من الانتظارات المجهضة، تقف الأحزاب السياسية المغربية – مجتمعة ودون استثناء – عاجزة، صامتة، مستهلكة، وقد تخلّت طوعًا أو كرهًا عن دورها الدستوري والتاريخي، مُعلنة إفلاسها الأخلاقي والسياسي أمام شعب فقد ثقته في الوعود والشعارات، وتيقن أن لا جدوى تُرجى من كيانات لم تخلق إلا لتبرير القرارات لا لمساءلتها، وركوب المبادرات لا لصناعتها، ولعل ما يزيد الوضع قتامة هو ارتهان هذه الأحزاب كليًا للمشاريع الملكية التي تحاول وحدها الحفاظ على نسق من الاستقرار والتقدم، في حين ظلت التنظيمات الحزبية مجرد أبواق صدى، تصفق للمبادرة الملكية وتتنافس على قطف الثمار السياسية من دون أن تزرع شيئًا، إن الساحة السياسية اليوم تعيش لحظة عزوف تاريخية، يرافقها اختفاء تام لأي ممارسة حزبية مسؤولة، والدليل القاطع على هذه الرداءة هو الغياب الغريب والمثير للريبة لعزيز أخنوش، الأمين العام لحزب التجمع الوطني للأحرار ورئيس الحكومة الحالي، عن الاجتماع السياسي الأخير الذي جمع قادة الأحزاب بوزير الداخلية، اجتماع حاسم يُفترض أن يكون لرئيس الحكومة فيه موقع الريادة، لا مقعد الغياب، هذا الغياب يفضح حجم التراجع الذي تعرفه صورة رئيس الحكومة، ويؤكد أن الرجل لم يعد فاعلًا في المشهد بقدر ما أضحى مجرد ظل باهت لمرحلة حكومية موسومة بالفشل، في ذات السياق، جاء خطاب العرش لسنة 2025 ليُحدث رجة سياسية عميقة، حين أعلن جلالة الملك محمد السادس نصره الله بشكل مباشر تكليف وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت بالإشراف على التحضيرات الانتخابية المقبلة، وإدارة المشاورات السياسية مع مختلف الأحزاب، وهو القرار الذي اعتبره كثيرون إزاحة ناعمة لأخنوش، وصفعة دستورية مُقنعة للأحزاب الحاكمة، ورسالة سياسية عميقة الدلالة مفادها أن الدولة لم تعد تثق في الكيانات السياسية لتدبير مرحلة دقيقة مثل الانتخابات، وأن الكلمة الفصل ستعود من جديد إلى المؤسسات السيادية، لاسيما وزارة الداخلية، بعدما تهاوت مصداقية الأحزاب وعجزت عن إنتاج خطاب سياسي أو برنامج مقنع، هذا التكليف الملكي وإن بدا في ظاهره تقنيًا، إلا أنه في جوهره إعلان عن فشل المنظومة الحزبية في تأطير المجتمع، وإفلاس النخب السياسية في القيام بدورها التأطيري والتشاركي، كما أنه يُعيدنا إلى سؤال جوهري: هل انتهى دور أخنوش؟ وهل نحن أمام لحظة فرز جديدة ستُعيد تشكيل ملامح الخريطة السياسية بوجوه جديدة قد تكون غير حزبية أصلًا؟ المشهد يزداد التباسًا، والثقة تتآكل أكثر، والمواطن يراقب من بعيد حفلة الانحدار السياسي بلا أدنى شعور بالانتماء، لأن الأحزاب التي كان يُفترض أن تدافع عنه، اختارت الاصطفاف في طابور المنتفعين، وتحولت إلى مجرد أجهزة انتخابية تستيقظ كل خمس سنوات لتجمع الأصوات وتهتف للشرعية، ثم تعود إلى سباتها العميق، ما يجري اليوم ليس مجرد انتقال في مشهد الإشراف على الانتخابات، بل هو تحول في العقيدة السياسية للدولة، ورسالة قاسية لكل من توهم أن الديمقراطية المغربية ما تزال تُدار عبر الأحزاب، في حين أن الواقع يكشف أن الدولة قررت حسم الملف بيد مؤسساتها السيادية بعيدًا عن المتاهات الحزبية التي لم تنتج سوى الارتباك، والتهافت، والصراعات الداخلية، وإذا كان خطاب العرش قد حسم في أدوار المرحلة المقبلة، فإن المؤشرات كلها تُؤكد أننا أمام إعادة هندسة للمشهد الحزبي برمّته، وقد تكون هذه الهندسة قاسية، وموجعة، لكنها ضرورية لبناء مرحلة جديدة عنوانها الكفاءة لا الولاء، والمسؤولية لا المصلحة، والانتماء الوطني لا الحسابات الحزبية الضيقة، وفي قلب هذه المرحلة، يبدو أن عزيز أخنوش قد طُوي اسمه سياسيًا حتى إشعار آخر، بعدما أثبتت تجربته الحكومية أن المال وحده لا يصنع الزعامة، وأن السلطة التنفيذية ليست شركة تُدار بالربح والخسارة، بل مسؤولية وطنية كبرى لا مكان فيها للمترددين، ولا للغائبين.






