أرباح خفية وثراء فاحش على حساب المال العام: خيوط شبكات التهرب الجمركي في المغرب.

ريف ديا : أحمد علي المرس

لم تعد الجرائم الاقتصادية في المغرب مجرد حالات فردية أو مخالفات إدارية، بل أصبحت منظومات إجرامية مترابطة تمتد خيوطها بين قطاعات التجارة الدولية، الأنظمة البنكية، (Déclarations en Douane). ففي الوقت الذي ما تزال فيه التحقيقات الجمركية جارية في عدة مديريات جهوية — خاصة بالدار البيضاء، طنجة، وأكادير — حول شبهات تلاعب واسع النطاق في التصاريح وقيم السلع المصرح بها، جاءت الأحكام الصادرة عن محكمة فاس المختصة بجرائم الأموال في قضية “الفواتير الوهمية” لتشكل مثالًا واقعيًا على ما يمكن أن تؤول إليه هذه الممارسات حين تصل إلى أروقة القضاء.
الملف الأول، المتعلق بالجمارك، لم يُعرض بعد على القضاء، إذ لا تزال المصالح المختصة تباشر تحرياتها الدقيقة، مستعينة بالنظام المعلوماتي (BADR)، الذي يحوي قاعدة بيانات شاملة للتصاريح الجمركية، الفواتير، والقيم الحقيقية للبضائع المستوردة. وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن بعض هذه الشركات و المؤسسات لتصدير و الاستيراد لا تكتفي بتزوير الوثائق بغرض خفض الرسوم الجمركية، بل تمتد ممارساتها إلى التلاعب في فواتير الاستيراد لتلائم مبالغ التحويلات البنكية، أو لتضخيم فواتير سلع محلية بغرض الاستفادة من الدعم المقدم من خزينة الدولة لتشجيع المنتوج الوطني، وهو ما يشكل خرقًا سافرًا للقانون ويكبّد المال العام خسائر بملايير الدراهم. ورغم وجود نظام portnet الذي يفترض أن يكون آلية مركزية لضبط العمليات وتسهيلها، إلا أن استغلال الثغرات داخل هذا النظام ساهم في تفاقم حجم التلاعبات.
الأدهى أن هؤلاء الأشخاص و هذه الشركات راكمت أرباحًا هائلة جراء هذه التهربات، وامتد أثر الثراء إلى الوسطاء والسماسرة الذين يسبحون في فلك هذه الشبكات من الشركات والمؤسسات. فهل يُعقل أن بعض من يشتغلون مع شركات التعشير (Sociétés de Transit) — والمعروفين في الوسط المهني “الكومي” — يملكون سيارات فاخرة وشققًا في أرقى الأحياء، ومنهم من لا يفقه شيئًا في المجال الجمركي؟ إنه الثراء الفاحش على حساب المال العام، وشبكة مترامية الأطراف تنشط عبر ربوع المملكة المغربية، متمركزة أساسًا في العاصمة الاقتصادية الدار البيضاء، تليها طنجة وأكادير، مع انتشار أقل نسبيًا في الناظور.
أما في قضية الفواتير، فقد قالت محكمة فاس المختصة بجرائم الأموال كلمتها في ملف شبكة “الفواتير الوهمية”، وقضت بأحكام بلغت 17 سنة حبسًا نافذًا في حق المتورطين، وغرامات وتعويضات مالية تجاوزت 62 مليار درهم لفائدة الدولة، ممثلة في وزارة الاقتصاد والمالية والمديرية العامة للضرائب. هذه الشبكة اعتمدت، بدورها، على شركات صورية وفواتير مزورة وعمليات صرف موازية (Change parallèle) لإخفاء المعاملات غير القانونية، وقضت المحكمة أيضًا بإتلاف العقود العرفية والفواتير المزورة ومطبوعات الفواتير المحجوزة ضمن ملف القضية، ورفضت الطلبات المدنية المقدمة من طرف شركة خاصة.
وفي الدعوى المدنية، ألزم الحكم المتهمين بدفع مبالغ مالية كبيرة للدولة المغربية، موزعة بين الدين الضريبي والتعويضات المدنية، حيث بلغ مجموع الدين الضريبي 624 مليون و150 ألفًا و114 درهم تقريبًا، فيما بلغ مجموع التعويضات المدنية 825 ألف درهم.
وكانت الفرقة الجهوية للشرطة القضائية بفاس قد نفذت، بتاريخ 28 أبريل 2025، عملية أمنية ناجحة بناءً على معلومات استخباراتية من المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، أسفرت عن توقيف خمسة عشر شخصًا يشتبه في تورطهم ضمن شبكة إجرامية متخصصة في إنشاء شركات وهمية وتزوير فواتير بغرض الحصول على قروض بطرق غير قانونية.
مما يؤكد التطابق البنيوي في الأسلوب الجرمي مع ملف الجمارك الجاري التحقيق فيه، القاسم المشترك بين القضيتين يتمثل في بنية الفعل الإجرامي؟ مؤسسات و شركات استيراد وتصدير — بعضها صوري — تتلاعب بالقيم الجمركية (Valeur en Douane) وبوثائق الأداء البنكي، معتمدةً على شبكة من الوسطاء و سماسرة والمعشرين الذين يسهّلون هذه العمليات، وأحيانًا بتواطؤ مع شركاء في الخارج، خصوصًا في الصين ودول آسيوية أخرى. في الحالتين، تكون النتيجة واحدة؟ تهرب ضريبي وجمركي ضخم يفرّغ خزينة الدولة ويقوض قواعد المنافسة الشريفة.
قانونيًا، فإن استمرار التحقيقات الجمركية، مقرونًا بالمعطيات الرقمية المتوفرة، يفرض تحركًا عاجلًا من مختلف المؤسسات المعنية؟ و على رأسهم المدير العام للجمارك، رئاسة النيابة العامة، الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، أقسام جرائم الأموال، وحتى المجلس الأعلى للحسابات. إن كل الدلائل متوفرة، وكل الخيوط مترابطة، ولم يعد هناك ما يبرر تأخير تحريك المساطر القضائية.
لقد حان الوقت لضرب بيد من حديد على كل المتلاعبين والمتورطين في شبكات الاحتيال الجمركي والمالي وتهرب الضربي، حمايةً لحقوق الدولة و المال العام، واستعادةً لثقة المواطن في مؤسسات المراقبة والعدل. فالأمر لم يعد مجرد أرقام في تقارير أو شُبهات في محاضر، بل بات معركة حقيقية ضد الفساد الممنهج الذي يلتهم موارد الوطن .

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة adblock

المرجوا توقيف برنامج منع الإعلانات لمواصلة التصفح