حين يحكم الجهل… ويشرّع المال… وتصفّق الأمة!
ريف ديا // احمد علي المرس
لقد جاء قرار المحكمة الدستورية كالصاعقة، لا لأنه خبر جديد، بل لأنه فضح ما كان يعرفه الجميع ويتظاهرون بجهله: أن تحت قبتَي التشريع في المغرب، يتربع على المقاعد من يظن أن “البند” هو نوع من الحلوى، وأن “المادة” إما كيميائية أو غذائية، وأن القانون مجرد ورقة طويلة يوقّع عليها مقابل الحصانة والامتيازات…هذا القرار الذي دوّى صداه وملأ الصحف والشاشات ومواقع التواصل، ليس مجرد حكم قانوني؛ إنه مرآة قاسية نرى فيها وجوهنا جميعًا. فالمواطن المغربي الذي يصوّت لأصحاب الشكارة، ثم يعود ليشتم الفساد، يشبه من يشتري تذكرة لعرض بهلواني ثم يصرخ لأن الممثلين مهرجون! والويل كل الويل حين يكون هذا الاختيار مقابل حفنة من الأوراق المالية أو وجبة دسمة من “الكسكس الانتخابي”.
أما الأحزاب السياسية، فحكايتها حكاية: تصرّ على تزكية الأمّي، وتدفع به إلى البرلمان، ثم تتعجب من قوانين مشوّهة كأنها مكتوبة بلغة الكهوف. تُدخلك في خطاب عن “الديمقراطية” وهي في الحقيقة تمارس فنّ اختيار الأضعف فكرًا والأكثر ولاءً للجيب لا للشعب. أليس من المأساوي أن نأمل في إصلاح التعليم على يد من لم يكمل التعليم؟ أو أن نحلم باقتصاد قوي يقوده من يخلط بين سعر الخبز وسعر النفط؟
وليس هذا حال البرلمان وحده، بل ينطبق المشهد أيضًا على المجالس الجهوية والإقليمية ومجالس الجماعات المحلية، حيث تُعاد نفس المسرحية الرديئة بنسخ متعددة. وبحكم تواصلي المباشر مع هذه “الكائنات السياسية” — مرغمٌ أخاكم لا بطل — خلال اللقاءات والحوارات الأخيرة، وجدت بينهم من يخطط للترشح في الانتخابات التشريعية المقبلة ليدخل البرلمان، معتقدًا أنه قد راكم “خبرة” في المجالس المحلية تكفيه لتشريع قوانين دولة بأكملها! وصدق المثل: “أش خاصك ألعريان؟ الخواتم أمولاي”… فكثرة الهم تضحك.
تحوّل البرلمان — بغرفتيه — إلى ما يشبه “فندق خمس نجوم” بديكور سياسي: المقاعد الوثيرة، المكافآت السخية، الحصانة الذهبية، بينما النقاشات أشبه بمسرحيات مرتجلة لا تُضحك إلا من باب الشفقة. القبتان اللتان كان يفترض أن تكونا حصنًا للأفكار تحوّلتا إلى قبتين للصفقات، حيث تُطبخ القوانين على نار هادئة وتُقدَّم باردة للمواطن، الذي يبتلعها صامتًا.
الجهل المُمَنهج صار هو النظام المعمول به: قوانين يمررها من لا يفهمها، وتشريعات يوافق عليها من لا يقرأها. والكارثة أن الشعب لا يزال يصفّق لهذا السيرك، بل ويشارك في اختياره كل خمس سنوات، ثم يتساءل ببراءة: لماذا لا نتقدّم؟
إن الخطر ليس في وجود هؤلاء على الكراسي، بل في استمرار القبول بهم، وكأننا نمنح الوطن طوعًا لأيدٍ ترتجف وهي تمسك الدفّة. فإذا لم نغيّر معايير الاختيار، ونشترط الكفاءة قبل الشكارة، فسنظل نمشي إلى الوراء بثقة تامة، حتى نسقط في هاوية الرداءة بلا أمل في الخروج.
وليعلم القارئ — قبل أن يغلق هذه الصفحة — أن الجهل إذا استقر في كراسي السلطة صار أقوى من أي استبداد، لأنه يقتل المستقبل ببطء وبلا ضجيج، حتى لا يكتشف الناس أنهم ماتوا سياسيًا وهم أحياء جسديًا. إننا في زمنٍ يُصنع فيه التشريع على أيدي من لم يقرأوا دستورًا ولم يلمسوا كتاب قانون إلا يوم أدوا القسم، زمنٍ تُقاس فيه الكفاءة بحجم الشكارة لا بعمق الفكر، زمنٍ أصبح فيه الترشح للبرلمان أو المجالس المحلية أشبه بمسابقة من يريد أن يصبح مليونيرًا، لكن بلا أسئلة صعبة… فقط يكفيك أن تعرف اسم الحزب، وأن تحفظ الطريق إلى مكتب التصويت.
فلتضحك ما شئت أيها المواطن، فالمشهد كوميديا سوداء مكتملة الأركان، لكن تذكّر أن الضحك على هذا العبث لا يعفيك من المشاركة فيه… وأن كل صوت تمنحه لجهلٍ متأنق، هو رصاصة في صدر وطنك.







