الأدب المغربي في المهجر بين الحضور المنسي والذاكرة الثقافية: ندوة حول أعمال رشيدة المرابط

 

ريف ديا : احمد علي المرس

 

شهد فندق ميركور بمدينة الناظور، يوم 16 غشت الجاري، تنظيم ندوة أدبية متميزة بعنوان “ملامح الأدب في المهجر: رواية “أحكيه لأحدما ” نموذجًا” للكاتبة المغربية المقيمة ببلجيكا رشيدة المرابط. وقد جاء هذا اللقاء الثقافي بمبادرة من جمعية تسغناس للثقافة والتنمية، وبتعاون مع مركز الدراسات التعاونية للتنمية المحلية ومؤسسة سيكوديل ونادي سينما الريف، فيما أطر الندوة كل من الأستاذ عبد الرزاق العميري بمصاحبة الأستاذ جمال الدين الخضري، حيث تميز اللقاء بحضور نوعي من المهتمين بالشأن الأدبي والثقافي على الصعيد المحلي والجهوي، في أجواء اتسمت بعمق النقاش وإغناء الرؤى حول موضوع الأدب المغربي في المهجر. الكاتبة رشيدة المرابط، التي تنحدر من بلدة سيدي بوجداين بميضار في منطقة الريف شمال المغرب، غادرت مع والدها سنة 1973 إلى بلجيكا حيث نشأت وتلقت تعليمها، لتتخصص في الدراسات القانونية وتشتغل لاحقًا مستشارة قانونية ومحامية بمركز تكافؤ الفرص هناك، إلى جانب مساهمتها في النقاشات الفكرية حول قضايا المرأة والهوية. وقد أثرت الساحة الأدبية الفلمنكية بمجموعة من الأعمال الروائية والقصصية التي حملت بصمتها الإنسانية والفكرية، من أبرزها رواية “مرسيدس 207” (2006)، ورواية “أرض النساء” (2007) التي توجت بجائزة أفضل عمل أول باللغة الفلمنكية في بلجيكا سنة 2008، ثم مجموعتها القصصية، وهي أعمال جعلت من اسمها مرجعًا أدبيًا يحظى بالتقدير داخل الوسط الأوروبي.

ما شدّ الانتباه خلال هذا اللقاء، هو ما أشار إليه الأستاذ المحاضر وهو يسرد أسماءً مغربية أمازيغية بارزة في ديار المهجر، أسماء كثيرة لا يعرف عنها أغلبنا شيئًا، رغم ما راكمته من تجارب رائدة وإسهامات فكرية وعلمية وأدبية. هذه الإشارة فتحت الباب على تساؤل عميق: إلى متى ستظل هذه الطاقات منسية في الذاكرة الوطنية، في وقت نحن في أمسّ الحاجة إلى خبراتها وطاقاتها الفكرية والإبداعية؟ إن المغرب، وهو يزخر بأبنائه وبناته المهاجرين، بحاجة ماسة إلى إعادة وصل الجسور مع هذه الكفاءات التي تمثل ثروة فكرية وثقافية ومعرفية كبرى. فبينما تعيش الساحة الوطنية فراغًا واضحًا في ميادين الإبداع الثقافي والفكري، يظل كثير من هذه الأسماء مشرقة في فضاءات أوروبية وأمريكية، دون أن تحظى بالالتفات الكافي من المؤسسات الثقافية والإعلامية ببلادنا، رغم التحولات التي يشهدها العالم اليوم وما تفرضه من انفتاح على كل الطاقات المبدعة.

إن ندوة مثل هذه، مهما بدا حضورها محدودًا، تكتسي أهمية بالغة في استحضار ذاكرة الأدب المغربي في المهجر، وتعزيز التواصل بين الأجيال الصاعدة وكفاءات الشتات. فهي ليست مجرد جلسة ثقافية عابرة، بل محاولة لإعادة الاعتبار لوجوه إبداعية منسية، وإحياء سؤال الهوية المغربية في بعدها المتعدد: الأمازيغي، العربي، والمتوسطي، وفي عمقه الإنساني والكوني. إن الحاجة اليوم ملحّة أكثر من أي وقت مضى لإعادة إدماج هذه الطاقات في المشهد الوطني، ليس فقط بالاحتفاء بها مناسباتيًا، بل عبر خلق مشاريع مستدامة تربط بين الداخل والخارج، وتؤسس لذاكرة أدبية وثقافية مشتركة تعكس غنى التجربة المغربية في بعدها الكوني، وتمنح للأدب المغربي مكانته المستحقة في الحضور الثقافي الدولي.

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة adblock

المرجوا توقيف برنامج منع الإعلانات لمواصلة التصفح