الناظور تختنق.. ومارتشيكا تُغرقها بالوعود

ريف ديا – الناظور
لا يكاد زائر مدينة الناظور، خصوصا في فصل الصيف، ينجو من مشهد الازدحام المروري الخانق، إذ تتحول الشوارع إلى طوابير طويلة من السيارات القادمة من مختلف مناطق المغرب، فضلا عن توافد الجالية المغربية المقيمة بالخارج والسياح الراغبين في قضاء عطلتهم بالمنطقة.
هذه الوضعية، التي تتكرر كل عام، أعادت إلى الواجهة مطلب الساكنة بإنشاء ممرات تحت أرضية لتخفيف الضغط، وهو المطلب الذي تعهدت وكالة مارتشيكا ميد بتحقيقه منذ سنة 2021، دون أن يرى النور إلى حدود اليوم.
ورغم أن الوكالة بررت حينها إزالة المدار الطرقي بشارع 80 قرب وايكيكي بكونه خطوة تمهيدية لإنجاز ممر أرضي في إطار مشروع “جنان المطار”، فإن مرور ما يقارب أربع سنوات على ذلك القرار، دون انطلاق فعلي للأشغال، جعل الثقة تتآكل بين المواطنين والمؤسسة المشرفة على واحد من أضخم المشاريع التنموية في الإقليم.
وتحولت مشاريع “مارتشيكا”، التي انطلقت برعاية ملكية خاصة باعتبارها رافعة للتنمية بالمنطقة، إلى عنوان بارز للتعثر، فالغلاف المالي الضخم الذي تجاوز 2600 مليار سنتيم كان من المفترض أن يحوّل الناظور إلى واجهة متوسطية سياحية وبيئية من الطراز الرفيع، غير أن واقع الحال يكشف العكس، من مشاريع متوقفة، تصاميم ملغاة، وإهمال واضح للبنيات التي أنجزت في بدايات المخطط.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك، مشروع “شارع القنطرة” الذي عُرضت تصميماته أمام صاحب الجلالة الملك محمد السادس قبل سنوات، متضمنا ممرات مائية، وقنطرة معمارية، وفضاءات تجارية وترفيهية، ومجرى مائي طبيعي، لكن المشروع، الذي كان يوصف بأنه سيكون “أيقونة عمرانية”، تحول إلى ورش مهجور، دون أي تفسير رسمي لأسباب التوقف أو مصير الاعتمادات المالية المرصودة له.
الوضع نفسه يطبع جماعة أركمان وبوقانا وكورنيش الناظور، التي كان يُفترض أن تتحول إلى واجهات سياحية مشرقة، لكنها باتت تعاني من تراجع جودة الخدمات وغياب الصيانة، حتى غدت صورة مغايرة تماما لما كان يُسوَّق في البداية على أنها مشاريع نموذجية للتهيئة والنظافة والتحول العمراني.
وفي الصدد، ترى الأصوات المنتقدة أن “مارتشيكا” فقدت بوصلتها؛ إذ توالت التعديلات على التصاميم، بعضها اختُصر بشكل مفرط، وبعضها ألغي نهائيا، دون أي تواصل مؤسساتي يوضح إن كان الأمر مرتبطا باعتبارات مالية أو تقنية أو بصعوبات في التنسيق مع المتدخلين المحليين.
عبد الحميد عقيد، نائب رئيس جماعة بني أنصار، لم يتردد في التعبير عن خيبة أمله قائلا: “كنا نعتبر مشروع مارتشيكا حلما حقيقيا، لكنه تحول إلى عبء تنموي وعاهة عمرانية وسياحية بكل المقاييس. الأشغال متوقفة، المرافق غائبة، والمدينة تدفع الثمن يوميا”.
نائب رئيس بني انصار: مشروع مارشيكا أصبح عاهة عمرانية بدل قاطرة تنموية!
أما مصادر أخرى، فترجع الأزمة إلى عدم توصل الوكالة بالمنح الحكومية، ما جعل المشروع يعيش حالة أقرب إلى “الإفلاس التنموي”، غير أن الساكنة تؤكد أن كثرة الأعذار لم تعد مقبولة، وتطالب بكشف حساب دقيق حول مصير المشاريع المعلنة والميزانيات المرصودة.
وفي خضم هذه الوضعية، رفعت فعاليات مدنية بالناظور صوتها مطالبة السلطات المحلية والمركزية بإيجاد حلول عاجلة ومستدامة لتفادي تكرار الأزمة المرورية خلال السنوات المقبلة، خصوصا وأن المغرب يستعد لاحتضان بطولة كأس إفريقيا للأمم نهاية هذا العام، ويستعد لرهان أكبر يتمثل في استضافة كأس العالم 2030، فضلا عن طموحه لاستقطاب تظاهرات رياضية وسياحية أخرى من شأنها أن تعطي إشعاعا عالميا للبلاد.
ويرى الفاعلون المدنيون أن أي تراخٍ في إيجاد حلول عملية سيقوّض صورة المغرب أمام زواره وضيوفه، في وقت تراهن فيه الدولة على السياحة باعتبارها ركيزة أساسية لمستقبل الاقتصاد الوطني، وعلى إشعاع المدن المغربية كمراكز جذب سياحي عالمي.
اليوم، وبين ازدحام مروري متكرر وتعثر مشاريع تنموية كبرى، يبقى السؤال مفتوحا، هل ستتدارك وكالة “مارتشيكا” الوضع وتعيد الاعتبار لواحد من أكبر المشاريع الملكية المهيكلة، أم أن الناظور سيظل أسير وعود مؤجلة تعرقل مساره نحو التحول إلى واجهة متوسطية واعدة؟







