لعبة المال والانتخابات!

بقلم: ياسين الحسناوي

في كل مرة تقترب فيها الانتخابات، تعود إلى السطح تلك الوجوه التي خبرها المغاربة جيداً، وجوه يعرفها الناس في الأسواق والدوائر الانتخابية أكثر مما يعرفون أي برنامج حزبي، وجوه اشتهرت بكرمها الموسمي، وبقدرتها على شراء الولاءات، وتوزيع الوعود كما توزع القناني البلاستيكية على طاولات الأعراس، لكن خلف تلك الوجوه تكمن حقيقة يعرفها الجميع، المال الحرام، والثروة السهلة، والصفقات العمومية التي تحولت إلى غنيمة شخصية.

المفارقة أن زعماء الأحزاب، وهم يصدعون رؤوسنا وهم تحدثون ليل نهار عن محاربة الفساد والاستبداد، وعن دولة القانون والشفافية، يعرفون جيداً هذه الوجوه، يعرفون أسماءها وحكاياتها، يعرفون من أين جاءت وكيف كبرت، وكيف صارت تتحرك بين المجالس والمؤسسات كأنها في ضيعة خاصة، يعرفون ايضا أنها لا تصلح لا لتمثيل المواطنين ولا للدفاع عن الوطن، ومع ذلك يتسامحون معها، بل يفتحون لها الأبواب، لأن المقعد البرلماني، أو رئاسة الجماعة أو الجهة، أهم عندهم من الوطن والمبادئ.

لقد صار الفساد عندنا جزءاً من الميكانيزم الانتخابي، جزءاً من اللعبة التي يعرف قواعدها اللاعبون الكبار، بدل أن تسهر الأحزاب على تنظيف لوائحها من المتورطين، تفضل أن تغمض عينيها وتضع في الواجهة شعار “الفوز أولاً”، ولو كان الفوز مغموساً في وحل الرشاوى.

بجرة قلم واحدة، يستطيع أي أمين عام او رئيس حزب أن يشطب على هذه الأسماء، أن ينهي هذه المسرحية الرديئة، لكنه لا يفعل، لماذا؟ لأن الجلوس على كرسي رئاسة الحكومة، أو قيادة المجالس الجهوية الكبرى، صار حلماً يبرر كل شيء، حتى إذا جاء على حساب سمعة الحزب، وثقة الناخب، ومستقبل السياسة في البلد.

في الحقيقة، لا تحتاج الأحزاب إلى وزارة الداخلية كي تكشف لها من هم المفسدون، ولا إلى تقارير الولاة والعمال، ولا إلى عيون السلطة وأعوانها، فالأحزاب تعرف، بل أكثر من ذلك، تتواطأ، هي تعلم أن فلاناً بنى ثروته من الصفقات المشبوهة، وأن علاناً يشتري الأراضي باسم أقاربه، وأن ثالثاً يعيد تدوير أمواله عبر الجمعيات الخيرية والمهرجانات، ومع ذلك، حين تقترب الانتخابات، يصبح هؤلاء أنفسهم “المناضلين”، و”المنقذين”، و”المرشحين المفضلين”.

المغاربة ليسوا سذجاً، هم يعرفون أن الذي يصرف الملايين في الحملة الانتخابية لا يفعل ذلك حباً في خدمة الناس، بل يفعل ذلك ليعيد استثمار أمواله أضعافاً مضاعفة، هؤلاء يدخلون الانتخابات بعقلية المستثمر، لا بعقلية السياسي، يضعون الملايين والمئات على الطاولة، ويعتبرون أن المقعد البرلماني أو الجماعي هو المشروع الاستثماري الأكثر ربحاً، يدخلون من باب السياسة ليخرجوا من باب الصفقات العمومية، يتلاعبون في المناقصات، يقتسمون الكعكة مع المقاولين، ويتركون البلدات والقرى غارقة في الفقر والهشاشة.

لكن هل تقع المسؤولية فقط على عاتق الأحزاب؟ الحقيقة أن المواطن نفسه صار جزءاً من المشكلة، حين يبيع صوته بمئتي درهم، أو بوجبة غذاء، أو بوعد زائف بالحصول على وظيفة، فإنه يشارك في الجريمة، وحين يقول المواطن “كلهم فاسدون”، فهو يبرر للفساد كي يستمر، والديمقراطية لا تبنى فقط بقوانين صارمة، بل تبنى أيضاً بوعي شعبي يرفض الرشوة والزبونية.

إن الذي يبيع صوته اليوم، هو نفسه الذي سيشتكي غداً من الطريق المقطوعة، ومن المستشفى الخالي من الأدوية، ومن المدرسة التي تسقط جدرانها على التلاميذ، فالفساد دائرة مغلقة، تبدأ من جيب الناخب، وتنتهي عند صفقات المسؤول، ولا يمكن كسرها إلا بموقف جماعي صارم.

الأحزاب أمام امتحان عسير، فهل تملك الجرأة لإبعاد المشبوهين، حتى ولو خسرت بعض المقاعد؟ أم ستستمر في سياسة “تبييض” المفسدين، على أمل أن تجني ثماراً انتخابية؟ وكل زعيم حزب يعرف أن اللحظة السياسية المقبلة دقيقة، من انتخابات تشريعية في 2026، ثم محلية وجهوية ومهنية في 2027، ثم مجلس المستشارين، وكل هذا يضع الأحزاب أمام امتحان الأخلاق قبل امتحان السياسة.

إن الذين يقولون “حان الوقت كي نقود الحكومة”، أو “نحن الأحق بقيادة الأغلبية”، عليهم أن يسألوا أنفسهم بأي وجوه؟ وبأي مرشحين؟ هل بالذين راكموا ثرواتهم من الفساد؟ أم بالذين يصرفون الملايين ليشتروا مقعداً ثم يسترجعونها من عرق المواطنين؟ المطلوب اليوم ليس فقط خطاباً إصلاحياً جميلاً، بل شجاعة حقيقية، والشجاعة أن يقول الزعيم “لا” لهذا المرشح، حتى لو كان قادراً على جلب آلاف الأصوات، والشجاعة أيضا أن تضع الكفاءة قبل الولاء، والنزاهة قبل المال، والوطن قبل المقعد، أما الاستمرار في نفس اللعبة، فلن يؤدي إلا إلى مزيد من العزوف الشعبي، ومزيد من فقدان الثقة.

المغاربة يستحقون أفضل من هذه المسرحية، يستحقون انتخابات حقيقية، بمرشحين حقيقيين، وبرامج تعكس همومهم اليومية، وأن يجدوا في البرلمان أصواتاً تدافع عن المدرسة العمومية، عن الحق في العلاج، عن العدالة الاجتماعية، لا عن المقاولين والصفقات والجيوب المنتفخة.

التاريخ لا يرحم، وكل زعيم حزب يعرف أن الزمن السياسي لا يتسع للخطأ مرتين، واليوم أمامهم فرصة نادرة، ربما الأخيرة، لاستعادة ثقة الناس إما أن ينظفوا بيوتهم الداخلية من المفسدين، أو أن يستمروا في بيع الوهم، وفي هذه الحالة عليهم ألا يستغربوا إذا انقلبت الطاولة عليهم.

الوطن ليس ملعباً لتجريب الوصفات الفاشلة، بل يحتاج إلى قيادات نظيفة، إلى أحزاب جادة، إلى مواطنين واعين، وهذه هي المعادلة التي يمكن أن تعيد للسياسة معناها، بعيداً عن منطق المقاعد بأي ثمن، وحين يفهم زعماء الأحزاب أن المستقبل لا يُبنى بالمال الفاسد، بل بالثقة الشعبية، عندها فقط يمكن أن نتحدث عن أمل جديد.

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى