بلاغات الوزير لا تُصلح ما أفسده الواقع

ريف ديا : احمد علي المرس

استقبال بروتوكولي أم مسرحية جديدة؟ محمد سعد برادة، وزير التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، استقبل يوم الإثنين 26 غشت الجاري ممثلي الهيئات الوطنية لجمعيات أمهات وآباء وأولياء التلميذات والتلاميذ، في لقاء وُصف بـ”التواصلي” لتدارس مستجدات الدخول المدرسي 2025/2026 وحصيلة الموسم المنصرم. غير أنّ ما قدّمته الوزارة في بلاغها الرسمي لا يعدو أن يكون استعراضاً شكلياً، لا يلامس جوهر أعطاب المنظومة التربوية التي تترنح تحت ثقل أعوام من التخبط والإصلاحات المرتجلة.
الوزير أشاد ـ كما جرت العادة ـ بـ”الدور الحيوي” لهذه الجمعيات، واعتبرها شريكاً أساسياً في دعم الإصلاحات التربوية ومشروع مدارس الريادة. كلمات منمقة، لكن الواقع يكذبها مؤسسات تعليمية منهكة، حجرات مكتظة، بنيات تحتية مهترئة، وميزانيات تُصرف أكثر على التسويق الإعلامي من صرفها على قضايا التعليم الحقيقية.
بلغة البلاغات الرسمية، تحدث برادة عن “تأهيل وتجهيز المؤسسات التربوية بالوسائل التكنولوجية الحديثة”، وعن “توفير الكتب المدرسية” و”تفعيل الحياة المدرسية”. لكن الأسر المغربية تدرك أن أبناءها يدرسون في أقسام أشبه بالملاجئ، وأن الكتب المدرسية قد تتأخر، أو تثقل كاهلهم بتكاليف إضافية في ظل غياب آليات ناجعة للدعم الاجتماعي. أما “الحياة المدرسية” فلا تعدو أن تكون عنواناً فضفاضاً، بينما يعيش التلاميذ على وقع يوميات رتيبة، بعيدة عن أي نفس تربوي حقيقي.
الأكثر إثارة، أن هذا اللقاء جاء مباشرة بعد العاصفة التي خلّفتها تصريحات منسوبة لرئيس الفيدرالية الوطنية لجمعيات الآباء، نور الدين عكوري، والتي دعا فيها الأساتذة إلى توقيع محاضر الدخول والالتحاق بالعمل، وهو ما فُهم منه اصطفاف الفيدرالية إلى جانب الوزارة ضد فئة واسعة من نساء ورجال التعليم. فكيف يُعقل لجمعيات يُفترض أنها تمثل أولياء الأمور، أن تتحول إلى أداة ضغط في يد السلطة الوصية؟
الحقيقة الصارخة أن وزارة التربية الوطنية مازالت عاجزة عن تقديم إصلاح تربوي حقيقي. فكل موسم دراسي جديد يُسوّق له وكأنه فتح مبين، بينما الواقع يكشف أن المنظومة لا تزال أسيرة الأعطاب البنيوية، هدر مدرسي متزايد، تراجع المستوى التعليمي، خصاص مهول في الموارد البشرية، وغياب عدالة مجالية بين مدارس الحواضر ومدارس الهامش.
إن اللقاء الأخير لا يعدو أن يكون جزءاً من مسرحية مكررة، تُعاد فصولها كل سنة: خطب مطمئنة، شعارات براقة، وبلاغات رسمية تُلمّع صورة الوزارة، دون أن تضع إصبعها على الجرح الحقيقي. وإلى أن تدرك الوزارة أن الإصلاح التربوي ليس حملة علاقات عامة، بل ورش وطني يحتاج شجاعة وقرارات جذرية، ستبقى المدرسة العمومية مجرد عنوان للأزمات المتتالية، وضحية لسياسات ترقيعية لا تسمن ولا تغني من جوع.

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى