الجمارك المغربية تحقّق مداخيل قياسية 144,8 مليار درهم

 

ريف ديا : أحمد علي المرس

 

شهدت المملكة المغربية خلال السنة المالية 2024 طفرة غير مسبوقة في المداخيل الجمركية، حيث سجلت إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة أرقاما قياسية بلغت 144,8 مليار درهم، وهو ما اعتبره المتتبعون للشأن الاقتصادي مؤشرا دالا على تحسن الأداء الجمركي وتعزيز النجاعة المالية للدولة، رغم الإكراهات الموضوعية المرتبطة بتقلبات السوق الدولية وتحديات العولمة. ويعود هذا الارتفاع النوعي في الإيرادات إلى جملة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها نمو نشاط الاستيراد وتزايد قيمة المبادلات التجارية، إلى جانب صعود أسعار المنتجات الطاقية والتبغ، وارتفاع حصة الضريبة على القيمة المضافة عند الاستيراد. كما ساهمت المقاربة الصارمة لإدارة الجمارك في مجال محاربة الغش والتهريب، عبر تكثيف آليات الرقابة والتتبع الرقمي، في الرفع من مستوى الامتثال الضريبي وتوسيع الوعاء الجبائي. ومن بين المحددات الاقتصادية البارزة، سجلت التصاريح الجمركية ارتفاعا يفوق 7% خلال سنة 2024، بما يعكس دينامية أكبر في حركة السلع والتجارة الخارجية، بينما أسفرت الزيادة في الضريبة الداخلية على الاستهلاك، خاصة تلك المفروضة على المنتجات الطاقية والتبغ المصنع، عن تدعيم الخزينة العمومية بشكل ملحوظ. وفي السياق نفسه، شكلت الضريبة على القيمة المضافة عند الاستيراد رافعة مالية حقيقية، بعد أن شهدت نموا معتبرا يعكس الارتفاع الملموس في قيمة الواردات. كما أدت الجهود المبذولة في مجال تحديث البنية التكنولوجية لاعتماد أدوات الذكاء الاصطناعي والتحليل الضخم للبيانات إلى رصد المبادلات المشبوهة واستهدافها بدقة، ما مكن من تحصيل موارد إضافية والحد من التهرب الجمركي. وتجدر الإشارة إلى أن المداخيل الصافية لإدارة الجمارك تجاوزت 92 مليار درهم مع متم دجنبر 2024، بزيادة نسبتها 9.3% مقارنة بسنة 2023، وهو ما يعكس التصاعد المستمر في مؤشرات الأداء المالي. كما أظهرت المعطيات الرسمية الصادرة عن النشرة الشهرية لإحصائيات المالية العمومية أن مداخيل الجمارك بلغت 21.94 مليار درهم مع نهاية مارس 2025، بزيادة قدرها 6.1% عن الفترة ذاتها من السنة الماضية، حيث سجلت الرسوم الجمركية الصافية 3.79 مليار درهم، فيما حققت الضريبة على القيمة المضافة عند الاستيراد 13.68 مليار درهم، بزيادة 7% مقارنة بمارس 2024، كما بلغت مداخيل الضريبة الداخلية على الاستهلاك المتعلقة بالمنتجات الطاقية 4.46 مليار درهم، أي بزيادة 9.2%. ورغم بعض الانخفاضات الطفيفة في مداخيل فئات ضريبية محددة، فإن إجمالي المؤشرات يعكس صلابة المنظومة الجمركية وقدرتها على امتصاص الصدمات، بفضل تكامل جهود المصالح الموازية التي تشتغل جنبا إلى جنب مع إدارة الجمارك، سواء من خلال التعاون مع الخزينة العامة، أو بدعم الأجهزة الأمنية والرقابية المختصة في مواجهة شبكات التهريب والتدفقات غير المشروعة. وبهذا تكون الجمارك المغربية قد جسدت خلال سنة 2024 وما تلاها نموذجا للمرفق العمومي الكفء، القادر على التكيف مع تحديات الاقتصاد العالمي، وضامنا لموارد مالية استراتيجية تسهم في تمويل المشاريع التنموية الكبرى وتدعيم الاستقرار المالي للمملكة. وفي هذا الإطار، لا بد من التأكيد على أن نجاح السياسة الجمركية رهين بتعزيز la bonne gouvernance في التدبير الإداري، وترسيخ ثقافة la transparence fiscale بما يضمن وضوح الرؤية لدى الفاعلين الاقتصاديين، فضلا عن مواصلة الاستثمار في la digitalisation باعتبارها أداة مركزية لتبسيط المساطر وتيسير المبادلات.

وعليه، فإن التوصية الصريحة والملحة التي يفرضها هذا السياق، هي أن يبادر المسؤولون الجمركيون إلى فتح قنوات تواصل واسعة وفعالة مع كافة المتدخلين والفاعلين الاقتصاديين والمهنيين، إرساءً لشراكات مؤسساتية متينة، وتوسيعا لدائرة الثقة، وضمانا لانخراط جماعي يرفع من تنافسية الاقتصاد الوطني ويحصّن موارده الاستراتيجية في وجه التحديات المقبلة.

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى