المغرب يختصر الجغرافيا نحو مدريد وباريس وبروكسيل في زمن قياسي

ريف ديا: احمد علي المرس

يشهد مشروع النفق البحري الرابط بين المغرب وإسبانيا تطورات بارزة تعيد إحياء الحلم التاريخي بربط ضفتي المتوسط عبر معبر تحت البحر يمكن اعتباره أحد أضخم المشاريع الاستراتيجية في القرن الحادي والعشرين، حيث أعلنت وزارة النقل الإسبانية عن تكليف الشركة العمومية EniCo بإنجاز دراسة جدوى مالية إلى جانب دراستين تقنيتين حول الزلزالية وكيفية الحفر، بالتوازي مع توقيع عقد مع الشركة البريطانية فودافون لتأمين خدمات الاتصالات الخاصة بالمشروع، في وقت تشير فيه التوقعات الأكثر تفاؤلاً إلى أن النفق لن يكون جاهزاً قبل سنة 2040. غير أن مجرد الشروع في هذه الدراسات يعكس جدية واضحة وإرادة سياسية واقتصادية متينة للمضي قدماً نحو إنجاح المشروع، الذي سيُحدث ثورة في مجالات النقل والتبادل التجاري والتواصل الحضاري. فالنفق البحري، على غرار تجربة “نفق المانش” الرابط بين بريطانيا وفرنسا، سيفتح آفاقاً جديدة أمام حركة الأفراد والبضائع، إذ سيُمكّن المغرب من ربط طنجة بمدريد عبر القطار السريع في ساعتين ونصف فقط، ويجعل الوصول إلى عواصم أوروبية كبرى مثل باريس وبروكسيل وليشبونة وأمستردام مسألة زمن وجيز لا أكثر، وهو ما سيحوّل طنجة إلى قطب اقتصادي عالمي وبوابة رئيسية لولوج إفريقيا نحو أوروبا. ومن المرتقب أن تشمل دراسة الجدوى المالية التي ستباشرها الشركة الإسبانية EniCo تقييم تدفقات الركاب والبضائع وتحديد مواقع محتملة للمحطات بين الجزيرة الخضراء وطريفة، مع بحث إمكانيات التمويل من القطاع الخاص على غرار التجارب الأوروبية الكبرى، فيما ستتم تغطية تكلفة هذه الدراسة عبر برنامج “الجيل المقبل للاتحاد الأوروبي” بقيمة 350 ألف يورو، ما يبرهن على الانخراط الأوروبي المباشر في إنجاح المشروع. وإذا كانت الأبعاد الاقتصادية تبدو جلية من خلال تعزيز المبادلات التجارية واللوجستية بين الضفتين، فإن الأبعاد الاجتماعية والإنسانية لا تقل أهمية، حيث سيسهّل النفق حركة الجالية المغربية المقيمة بأوروبا ويقرب المسافات بين العائلات ويكرّس جسور التلاقي الثقافي والحضاري، ليكون المتوسط، الذي طالما كان حاجزاً مائياً، جسراً للتنمية والوحدة. أما على المستوى السياسي والجيوستراتيجي، فإن المشروع سيمنح المغرب مكانة محورية في الربط القاري بين إفريقيا وأوروبا ويعزز دوره كفاعل أساسي في المتوسط، بينما سيفتح أمام الاتحاد الأوروبي منفذاً برياً مباشراً نحو إفريقيا بما يساهم في إعادة تشكيل خريطة المصالح والتحالفات في المنطقة. وهكذا، ورغم التحديات التقنية والمالية والزمنية، فإن النفق البحري بين المغرب وإسبانيا يبقى مشروع القرن بامتياز، مشروع يختصر الجغرافيا، يذيب الحواجز، ويؤسس لمستقبل مشترك بين ضفتين جمعتهما الجغرافيا ويفرض عليهما التاريخ أن تتقاسما التنمية والتقدم.

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى