الوطن أكبر منكم.. حين يختلط الجمعوي بالسياسوي وتُقحم المقدسات في المهزلة

أحمد علي المرس
حين يتحول الفعل الجمعوي إلى ستار باهت يُخفي وراءه نزعات سياسوية متقادمة، وحين تختلط القضايا الوطنية المقدسة بأجندات شخصية رخيصة، يصبح من واجب القلم أن يفضح العبث ويعرّي الزيف.
فما جرى مؤخرًا تحت مسمى “تأسيس تنسيقية للترافع عن الوحدة الوطنية”، لم يكن سوى عرض مسرحي بائس أريد له أن يظهر بمظهر الجدية، بينما هو في الحقيقة حلقة جديدة من مسلسل الاستهلاك السياسي الرديء، لقد اجتمع في قاعة النشاط خليط من الحاضرين، جلّهم لا يفقهون الغاية ولا يدركون سبب حضورهم، فتداخل عليهم الحابل بالنابل.
تصريحاتهم العفوية التي التقطها الإعلام الحر كانت كافية لكشف عمق المأساة، كلمات مرتبكة من قبيل “أكلنا وشربنا”، أو “الجمعية جمعية الانتخابات” الجمع العام ماذا التأسيسي ماذا؟ أو أسئلة مبعثرة بلا معنى، وكأنهم ضلّوا الطريق إلى حفل عرس بدل أن يحضروا نشاطًا يُفترض أنه يمس قضية وطنية عظمى، أما المشهد الأكثر إثارة للسخرية، فهو حضور وجوه سياسية شاخت في المشهد المحلي، واعتادت الجلوس على كراسي السياسة لسنوات طوال، دون أن تترك أثرًا يُذكر على واقع مدينة بني انصار أو إقليم الناظور.
وجوه أكلت من خيرات العمل العام دون أن تُقدّم شيئًا يُسجَّل لها في خانة الإنجاز الجماعي، سوى إنجازات شخصية راكمت بها مصالحها الضيقة، لتعود اليوم وتجلس في الصفوف الأمامية بلا أدنى ذرّة استحياء، وكأنها غير معنية بالمحاسبة الشعبية أو بذاكرة الناس، أما المنظمون، فقد حاولوا بدهاء مغشوش أن يُلبسوا هذا العبث لبوس الجدّية، فأطلقوا عليه اسمًا براقًا “تنسيقية للترافع”.
لكن الوطن، بتاريخ مؤسساته الراسخة الممتدة لأكثر من اثني عشر قرنًا، لا يحتاج إلى مثل هؤلاء كي “يترافعوا” عنه. الوطن له رجالاته، وله ملكه وجيشه، وله من يؤمن بالفعل الجادّ، لا بالولائم الموسمية وصخب الكاميرات.
ثمّة سؤال قانوني يفرض نفسه هنا، هل جرى احترام المساطر الإدارية في هذا الجمع؟ صحيح أنّ القوانين تفرض إشعار السلطة المحلية و قد تم ذلك بالفعل، لكن هل رُفع تقرير شامل إلى قسم الشؤون الداخلية والجهات المختصة؟ فالمسألة لم تعد مجرد “نشاط عابر”، بل خلطًا خطيرًا بين ما هو جمعوي، وما هو سياسي، وما هو وطني يمسّ جوهر المقدسات.
وعليه، فإنّ مثل هذه الأنشطة العبثية تستوجب في المستقبل تشديد الرقابة الصارمة، وربطها بما تم إخبار السلطات به من تفاصيل، تفاديًا لتحريف الأهداف الوطنية السامية، وإقحامها في متاهات المصالح الشخصية. ولعلّ ما جاء في خطاب العرش الأخير لجلالة الملك محمد السادس نصره الله بمناسبة عيد العرش، كان واضحًا وصريحًا حين أشار إلى ضرورة إفساح المجال أمام جيل جديد من الممارسات السياسية النزيهة، قوامها الكفاءة والمسؤولية والالتزام الوطني، بعيدًا عن الوجوه المستهلكة والأساليب البالية.
إن الوطن يستحق أن يُصان من مثل هذه المسرحيات الرديئة، وأن تُحترم فيه قدسية القضايا الوطنية، وألا تُستعمل كورقة انتخابية أو دعاية شخصية. فالمستقبل لا يُبنى بالارتجال، وإنما يُبنى بالصدق والإخلاص والعمل المؤسسي الجادّ.







