الجمارك تُسقط شبكة تهريب “البولي إيثلين”.. ضربة موجعة للاقتصاد الموازي

ريف ديا – أحمد علي المرس

في ظل التحديات الاقتصادية الراهنة التي تواجهها المملكة المغربية، برزت الإجراءات الجمركية الأخيرة كدرع واقٍ لحماية الاقتصاد الوطني وصون مداخيل الخزينة العامة من النزيف المستمر الذي يسببه التهرب الضريبي والتلاعب في مساطر الاستيراد.

فقد أكدت مصادر جمركية وثيقة لجريدة “ريف ديا” أنّ مصالح الجمارك المغربية، من خلال فرقتها الوطنية، عمّقت تحقيقاتها بخصوص شبهات تلاعبات مرتبطة بأذونات استيراد مادة “البولي إيثلين”، التي استفادت شركات من إعفاءات جمركية على أساس توجيهها نحو وحدات إنتاجية قانونية، غير أنّها في واقع الأمر حُوّلت إلى مصانع سرية لصناعة “الميكا”، الممنوعة بمقتضى القانون 77.15. هذه الممارسات، التي يمكن وصفها بـ fraude organisée، لم تكن مجرد تلاعب عابر، بل شكّلت تهديداً مباشراً لما يُعرف بـ Trésor Public، حيث حُرمت الخزينة من موارد مالية معتبرة كان من المفترض أن تُستثمر في التنمية الوطنية.

وقد كشفت التحقيقات عن تسرب كميات ضخمة من مادة “البولي إيثلين” الخام إلى السوق السوداء، وهو ما يوضح أن المستوردين استغلوا lacunes juridiques، ليتحول الإعفاء الجمركي من وسيلة لدعم التصنيع المشروع إلى أداة للإثراء غير المشروع.

وبحسب نفس المصادر، انطلقت مهام التدقيق عبر تتبع تصريحات جمركية وفواتير وسندات طلب تخص تجار جملة وموزعين، الأمر الذي مكّن مراقبي الجمارك من رصد خيوط شبكة معقدة تدير عمليات منظمة. إحدى الشركات المشتبه فيها سبق أن خضعت لتحقيق داخلي بميناء الدار البيضاء، بعد ضبط حاوية تابعة لها مكسورة بفضاء التخزين، ما أكد وجود شبهات قوية حول أنشطتها.

كما بيّنت محاضر الضبط أنّ هناك عمليات خلط بين مادة “البولي إيثلين” المستوردة ومسحوق بلاستيكي معاد تدويره، قصد خفض تكاليف الإنتاج وزيادة الأرباح، وهو ما يدخل في خانة manipulation économique الخطيرة.

ولا تقف خطورة هذه الأفعال عند حدود تهديد الاقتصاد الوطني فقط، بل تمتد إلى الإضرار بالبيئة المغربية من خلال تغذية مصانع سرية لإنتاج أكياس بلاستيكية محظورة، ضاعفت من انتشار “الميكا” رغم منعها القانوني. لذلك، فإن التحرك السريع للفرقة الوطنية للجمارك، بتنسيق مع درك البيئة والمصالح الجهوية، يعكس الإرادة الصارمة للدولة في تجفيف منابع هذا الغش التجاري وحماية السوق من التلاعبات غير المشروعة.

وبمقتضى القانون رقم 77.15 قيدت المصالح المختصة بوزارة الصناعة والتجارة عمليات استيراد مادة “البولي إيثلين” من قبل الشركات، بحيث أُلزم المستوردون بملء طلب خاص للحصول على إذن استيراد المادة المذكورة، عند إجراء معاملات الاستيراد الإلكترونية عبر منصة “Port/Net”. ويتضمن الطلب إقرارا موقعا من قبل المستورد يتعهد فيه باستخدام المادة الأولية لأغراض الإنتاج الداخلي في مصنعه، ويمنع عليه بيعها أو المتاجرة بها، إلا بموجب ترخيص صريح من الوزارة الوصية، فيما تسهر المصالح الجمركية على مراقبة تنفيذ هذه المقتضيات.

إنّ إشادة بالإجراءات الجمركية ليست مجاملة، بل هي اعتراف بالدور المحوري الذي تلعبه هذه المؤسسة في حماية التوازنات المالية الكبرى، وتعزيز الثقة في الاقتصاد الوطني، وإعطاء رسالة واضحة لكل من يحاول العبث بالقوانين الجمركية أنّ زمن التساهل قد ولى، وأن الرقابة الاستباقية والتتبع الدقيق باتا السلاح الأمثل لصون حقوق الدولة وضمان عدالة جبائية حقيقية.

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى