الثغرات الحدودية بين نظريات المراقبة وواقع الشبكات الإجرامية

ريف ديا : احمد علي المرس
من جديد، تطفو إلى السطح أسئلة محرجة حول نجاعة المنظومة الأمنية و الجمركية المغربية عبر الموانئ والمعابر الحدودية، بعد العملية الأمنية الواسعة التي نفذتها الشرطة الإسبانية بتنسيق مع الحرس المدني الإسباني، وأسفرت عن تفكيك réseau criminel متخصص في سرقة الهواتف الذكية الفاخرة وتهريبها إلى المغرب لإعادة بيعها بطرق غير مشروعة.
فقد تم اعتقال 15 شخصاً، بينهم امرأتان تتراوح أعمارهما بين 22 و70 سنة، عقب تحقيقات كشفت تورط الشبكة في 54 عملية سرقة مؤكدة، إلى جانب عشرات القضايا الأخرى التي ما تزال قيد البحث. وتقدّر قيمة الهواتف المسروقة بحوالي 67 ألف يورو، جرى تمريرها عبر الموانئ المغربية، وهنا يطرح السؤال المربك: كيف عبرت هذه الهواتف الذكية؟ وأين تقع الثغرات التي لطالما نبهنا إليها في مقالات سابقة؟
أنشطة هذه العصابة لم تقتصر على إقليم برشلونة وضواحيه، بل امتدت إلى مقاطعات متعددة مثل فالنسيا وأليكانطي ومورسيا وألمرية وغرناطة، وحتى مدن داخلية مثل سرقسطة وبورغوس. وهو ما يعكس دقة التنظيم واتساع النشاط، بما يجعلنا نتساءل، هل استوعبت أجهزتنا الجمركية و الأمنية ما يُعرف في أدبيات الحوكمة الأمنية و الجمركية بـ théorie du contrôle، أي قدرة الدولة على فرض رقابة شاملة ومتوازنة على منافذها الحيوية؟
الأخطر من ذلك أنّ الجرائم لم تقتصر على السرقة والتهريب فحسب، بل شملت محاولات لاختراق تطبيقات بنكية مثبتة على الهواتف، حيث نجح بعض أفراد الشبكة في تنفيذ تحويلات مالية غير مشروعة تجاوزت 37 ألف يورو. وهذا يرفع منسوب الخطورة، ويؤكد أن القضية ليست مجرد سرقة هواتف، بل جريمة منظمة عابرة للحدود تمس الأمنين الاقتصادي والرقمي على السواء.
لكن يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: ما هي الوسائل التي تستعين بها هذه الشبكة لتهريب المسروقات إلى المغرب؟ هل يتم ذلك عبر وسائل النقل الدولي؟ أم من خلال استغلال فترات الذروة والاندساس وسط جحافل السيارات النفعية للجالية المغربية؟ أم عبر شاحنات النقل الدولي مستغلةً بعض سائقيها عديمي الضمير؟ إنها فرضيات منطقية تفتح الباب واسعاً على ثغرات سبق أن أشرنا إليها في مقالات سابقة، وسنتطرق إليها بتفصيل أكبر في مقالات مقبلة. اليوم، بينما تواصل السلطات الإسبانية تحقيقاتها، يظل الرأي العام المغربي يتساءل، إلى أي حد تشتغل منظومة المراقبة الحدودية لدينا وفق مفهوم système de surveillance المتكامل، القادر على رصد أدق محاولات التهريب قبل أن تصل إلى أسواقنا الداخلية؟ إن مجرد الحديث عن التنسيق مع السلطات المغربية بعد وقوع الكارثة لا يكفي، لأن الوقاية هي عنوان السياسة الجمركية و الأمنية الناجعة، لا انتظار الضربات الخارجية لكشف ما لم ننتبه إليه داخلياً، وفي انتظار مثول الموقوفين أمام القضاء الإسباني لمواجهة تهم قد تجر عليهم عقوبات مشددة، تبقى كرة الأسئلة في ملعبنا نحن: هل سنظل نكتفي ببيانات التعاون الأمني، أم سنعيد النظر بجرأة في الثغرات المينائية والحدودية التي باتت مدخلاً سهلاً للشبكات الإجرامية العابرة للحدود؟







