المستشفيات المغربية الاستقالة ضرورة وطنية…قبل أن تزهق أرواح أخرى

ريف ديا : احمد علي المرس
كارثة أكادير نموذج للقطاع الصحي ومن يتحمل المسؤولية؟ إنّ المسؤولية السياسية والأخلاقية تقتضي استقالة وزير الصحة فورًا، بل ومساءلة من اقترح تعيينه، على غرار ما هو معمول به في الدول المتقدمة حيث لا مكان للمحاباة أو الولاءات الحزبية حين يتعلق الأمر بأرواح المواطنين. كما يجب توجيه أصابع الاتهام إلى كل من تورط في هذا الاستهتار الممنهج، ومحاسبة كل المسؤولين عن القطاع الصحي، لأن الأمر لم يعد يحتمل المزيد من التسويف والمجاملات. فقد تحوّل المستشفى الجهوي الحسن الثاني بأكادير إلى قضية وطنية تهز الرأي العام، بعد توالي حالات وفاة نساء حوامل داخل قسم الولادة في ظروف مثيرة للجدل، أجمعت شهادات المواطنين وفاعلين حقوقيين على وصفها بـ”الإهمال الجسيم”.
المستشفى، الذي صار يلقب في أوساط الساكنة بـ”مستشفى الموت”، يعاني منذ سنوات من نقص فادح في التجهيزات الطبية الأساسية، واكتظاظ خانق داخل المستعجلات والأقسام الداخلية، ونقص في الموارد البشرية، وهو ما جعل معاناة المرضى تتفاقم إلى حدود لم تعد مقبولة. ورغم خطورة الوضع، لم تتحرك السلطات الوصية إلا بعد موجة من الغضب الشعبي، حيث أعلنت وزارة الصحة فتح تحقيق في الموضوع، دون أن يهدأ الشارع أو يطمئن إلى مصير هذا التحقيق. الصدمة لم تكن في حجم المأساة فقط، بل في غياب حسّ المسؤولية لدى القائمين على القطاع الصحي. فكيف يمكن لوزارة الصحة أن تغضّ الطرف عن مثل هذه الكوارث؟ وكيف يُترك مصير النساء والمواليد مرهونًا بمصادفات البنية التحتية المهترئة والخصاص المزمن في الأطر الطبية والتمريضية؟
وليس مستشفى الحسن الثاني بأكادير سوى نموذج صارخ لواقع المنظومة الصحية بالمغرب، إذ إنّ جل المستشفيات العمومية تعيش على النهج نفسه، محكومةً بـ”عقليات متغطرسة” تتعامل مع المرضى بمنطق الاستعلاء واللامبالاة، بدل أن تجعل خدمة المواطن رسالتها الأولى. هذه الذهنيات المتسلطة، الممزوجة بسوء التدبير والفساد الإداري، عمّقت الفجوة بين المواطن والمؤسسة الصحية العمومية، ورسخت شعورًا عامًا بانعدام الثقة في المستشفيات المغربية. إنّ ما وقع في أكادير ليس حادثًا معزولًا، بل صورة مصغّرة لواقع المنظومة الصحية المغربية في مجملها، حيث تعاني معظم المستشفيات العمومية من التسيّب، سوء التدبير، ضعف التجهيزات، غياب الانضباط، وتردّي ظروف العمل. هذه الوضعية الكارثية جعلت صحة المواطن المغربي في مهبّ الريح، فيما تستمر الصفقات الضخمة في قطاع الأدوية والكلينيكات الخاصة في الازدهار، وكأن حياة البسطاء لا تساوي شيئًا. إنّ أرواح النساء اللواتي فارقن الحياة داخل مستشفى الحسن الثاني بأكادير ليست أرقامًا عابرة في سجلات الموت، بل هي جرس إنذار مدوٍ يفرض على الدولة أن تتحمّل مسؤوليتها الكاملة. فالتهاون والاستهتار والتفريط في الحق في العلاج هي جرائم لا تقل خطورة عن أي فعل إجرامي آخر، بل قد تكون أشد وقعًا لأنها تمسّ أبسط الحقوق الإنسانية، الحق في الحياة.
المغرب اليوم أمام لحظة فارقة: إما الإصلاح الجذري للمنظومة الصحية وتطهيرها من الفساد والزبونية، أو الاستمرار في إنتاج المزيد من المآسي التي تزرع الحزن واليأس في قلوب المواطنين. والتاريخ لن يرحم أحدًا.







