الذهب المهرب وتبييض الأموال.. حرب المغرب المفتوحة ضد الاقتصاد الأسود

ريف ديا – أحمد علي المرس
في إطار التوجه الجديد الذي اعتمدته الإدراة المغربية خلال سنة 2025، والذي يقوم على منهجية scientifique rigoureuse في مكافحة التلاعبات والتدليس والتهرب الضريبي العابر للحدود، أظهرت مصالح الجمارك والضرائب غير المباشرة يقظة غير مسبوقة في ملاحقة شبكات التهريب المنظمة. فقد كشفت مصادر جمركية مطلعة للجريدة الإلكترونية “ريف ديا” أن الإدارة الجمركية المركزية عززت أنظمة الاستهداف (Systèmes de ciblage) بأدوات معلوماتية متطورة، مكنتها من تتبع تحركات عناصر مشبوهة، خاصة تلك المتورطة في تهريب الذهب بطرق غير شرعية. هذه الخطوة تدخل ضمن رؤية جديدة تسعى إلى خلق synergie institutionnelle بين مختلف المصالح الأمنية والمالية والرقابية، بما يضمن تضييق الخناق على الجرائم العابرة للحدود.
كما أن الجريدة الإلكترونية “ريف ديا” تواكب عن كثب هذه الاستراتيجية الجديدة ويكون لها السبق دومًا في النشر والتطرق لهذه المواضيع، إذ سبق لها أن نشرت العديد من المقالات المشابهة المتعلقة بالتهرب الضريبي والتهريب الدولي والاحتيال الجمركي عبر التصاريح الجمركية وتصريحات بعض المعشرين المتواطئين، وكشفت من خلالها شبكات وشركات وهمية متورطة في هذه العمليات. وقد بينت التحقيقات أن شبكات دولية، على رأسها مافيا تركية، عمدت إلى استغلال نساء مغربيات وأجنبيات في تهريب كميات ضخمة من الذهب عبر المنافذ الحدودية، خاصة المطارات، حيث تُقسَّم هذه الكميات وتُخفى بعناية وسط الأمتعة الشخصية وكذلك الأمتعة التي يتم إرسالها مع الشركات النقل الدولي للأمتعة الغير المرتفقة لنقل البضائع و السلع. وقد رفعت المصالح الجمركية من مستوى التنسيق مع أجهزة المراقبة داخل الموانئ والمطارات و المعابر الحدودية، مستندة إلى قاعدة بيانات دقيقة عن تحركات المشتبه فيهم، وأوقات سفرهم، والوجهات التي يترددون عليها، فضلاً عن التصريحات الجمركية المقدمة منهم، في محاولة لتطويق هذه الظاهرة الخطيرة.
مصادر متطابقة أكدت للجريدة أن حالة محددة أثارت الريبة عقب تعدد رحلات إحدى المشتبه فيهن إلى تركيا، وهو ما دفع إلى إخضاعها لتفتيش شامل بعد عودتها من إسطنبول، ليتبين أنها تحمل كمية مهمة من الذهب. التحقيقات اللاحقة أثبتت ارتباطها المباشر بمافيا تركية متخصصة في هذا النوع من العمليات، حيث يتم تزويدها بمقابل مالي عن كل عملية ناجحة. الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، إذ امتدت الأبحاث إلى رصد مسارات الذهب داخل المغرب، حيث جرى إدماجه في مشاريع تجارية وعقارية في إطار عمليات تبييض أموال، ما يثير الشكوك حول كونه قناة لإخراج الرساميل من تركيا بعد تفاقم التضخم وانهيار قيمة الليرة.
وتشدد الجمارك المغربية على ضرورة تقديم التصاريح ومستندات الملكية الخاصة بالمجوهرات والحلي، مع إعفاءات محدودة تتعلق بالحلي الشخصية ذات الطابع الاستعمالي في حدود 500 غرام، شرط أن تكون الكميات متناسبة مع الوضع الاجتماعي لحاملتها. غير أن توظيف هذه الثغرات القانونية من طرف شبكات التهريب جعل من الضروري تشديد الإجراءات، وتعزيز التدقيق في التصريحات الجمركية، مع الاستعانة بخلايا تحليل البيانات لتجميع المعلومات اللازمة حول مسارات التهريب والجهات المتورطة فيه. وفي هذا السياق، عملت الجمارك بتعاون مع الهيئة الوطنية للمعلومات المالية على وضع آلية لتبادل المعطيات الحساسة حول عمليات مشبوهة، ما مكن من إحباط محاولات متكررة لاستغلال الذهب المهرب في تبييض عائدات الاتجار في المخدرات.
وهو ما يؤكد أن المغرب دخل مرحلة جديدة في مقاربة الظواهر المالية المعقدة، تقوم على استراتيجية approche intégrée تعزز التنسيق بين المصالح الجمركية والمالية والأمنية، وتجعل من العلم والتكنولوجيا ركيزة في كشف أنشطة الاقتصاد الموازي وتجفيف منابعه. إنها مواجهة مفتوحة ضد شبكات عابرة للحدود، لا تقتصر على مطاردة المهربين في المطارات والموانئ و المعابر الحدودية، بل تمتد إلى تفكيك آلياتهم المالية، وضرب بنياتهم الاقتصادية في الداخل والخارج، بما يرسخ دولة الحق والقانون، ويحمي الاقتصاد الوطني من مخاطر التبييض والتهرب الضريبي الذي ظل لسنوات ينخر عصب التنمية.







