
فرمان شحتان وخرائط الموت للصحافة الحرة
بقلم: ياسين الحسناوي
في هذا البلد، لم يعد ينقصنا سلطان عثماني حتى يوزع فرماناته على الرعية، فقد رزقنا الله برئيس جمعية صحافية يتقمص دور السلطان ويعلن في الناس أوامره العجيبة.
شحتان، الرجل الذي صار نقيبًا للصحافيين بالصدفة وبالتحايل على القانون، خرج علينا ببلاغ يشبه وصايا الجنائز، ممنوع البودكاست، ممنوع الكلام الحر، ممنوع أن تغرد خارج السرب.
هكذا ببساطة، وكأنه يتحدث عن حظر التدخين في المقاهي، لكنه لم يكتفِ بدور النقيب، بل قرر أن يلبس قبعة المشرّع، عباءة القاضي، وسوط الجلاد، يريد أن يحول المجلس الوطني للصحافة إلى محكمة تفتيش، تصدر قرارات المنع وتوزع صكوك الغفران الصحافي كما تشاء.
أي عبث هذا؟ وأي زمن هذا الذي صار فيه الصحافي يهدد مواطنيه بالسجن؟ هل نحن أمام نقيب للصحافة أم أمام ضابط في شرطة الأخلاق؟ لم أسمع في حياتي عن رئيس هيئة مهنية يعلن الحرب على زملائه، إلا عندنا، حيث صار “الصحافي” موظفًا في إدارة الرقابة، وحيث تحولت الجمعية المهنية إلى مكتب دفن حرية التعبير.
لكن فلنكن واقعيين، هل بقيت هناك صحافة تستحق الدفاع؟ المشهد اليوم يقدمه لنا “شوف TV” وأخواتها، إعلام الفضائح والشعبوية، بينما الجرائد الرسمية الممولة من جيوب المواطنين تحولت إلى نشرات إعلانات حزبية، الصحافة ماتت، وما بقي منها لا يتجاوز بعض البودكاستات الحرة التي تقاوم جاهدة على يوتيوب وفيسبوك، لذلك جاء فرمان شحتان لدفن آخر ما تبقى من النفس الحر في إعلام البلاد.
والسؤال، من خوّلك يا رفيق أن تمنع الناس من الكلام؟ البطاقة الصحافية ليست صكًّا يمنحك سلطة على رقاب المواطنين، بل مجرد وثيقة لتسهيل الولوج إلى البرلمان والإدارات، أما الحق في التعبير فهو حق دستوري وإنساني لا يُختزل في بطاقة ولا يُصادر ببلاغ.
إنه العبث بعينه، حتى كافكا، لو عاش بيننا، لاعتذر عن نسب العبث إليه بعد أن يرى هذا المشهد المغربي الفريد: نقيب ينتحل صفة السلطان، يجلس أمامه بعض الصحافيين بخشوع وكأنهم في حضرة خطبة الجمعة، يتحدث لهم عن مزايا بطائق القطار وتذاكر الطائرة، بينما يمرر بينهم المرسوم الأخطر إعدام البودكاست.
يا سادة، الأمر لم يعد يتعلق بالصحافة فقط، بل بمصادرة المجال العام، حيث يريدون أن يخنقوا كل صوت مختلف، أن يطفئوا آخر شمعة حرية، أن يضمنوا صمت الجميع مقابل فتات من الريع.
لكن ما لا يفهمه “السلطان الجديد” أن الكلمة الحرة لا تُدفن بفرمان ولا تُخنق ببلاغ، لأنها ستجد طريقها دائمًا، في بودكاست أو في جريدة أو حتى في جدار على فيسبوك، لأن الحرية، ببساطة، لا تحتاج إلى بطاقة صحافية، بل تحتاج إلى شجاعة.
اللهم لا نسألك رد الرداءة، ولكن نسألك أن تفضحها على رؤوس الأشهاد.






