كلاب ضد الحالمين في الهجرة.. مشاهد صادمة من “باب 4” بميناء بني أنصار

ريف ديا – أحمد علي المرس
في محيط باب أربعة بميناء بني أنصار، يتكرّر مشهد مأساوي يكشف عمق أزمة اجتماعية متفاقمة، عشرات المرشحين للهجرة السرية، جلّهم من القاصرين والمتشردين، يواجهون عناصر الأمن الخاص “Gardiens de sécurité privée” المكلَّفين بحراسة الميناء.
غير أن ما يثير القلق، هو لجوء هؤلاء الحراس إلى استخدام الكلاب الغير المدربة لمطاردة هؤلاء الأشخاص، ما نتجت عنه إصابات جسدية واعتداءات موثقة بشهادات حية. أحد الشبان الذين جُرحوا في هذه المواجهات، يروي بمرارة “لم يكن خوفي من الاعتقال أو الشرطة، خوفي الأكبر كان من الكلاب. عضّتني في ساقي، ولم أستطع الحركة لأيام. لم يسألني أحد عن وضعي أو عن سبب وجودي هنا، الكل يراني مجرد متشرد بلا قيمة.
وفق تقديرات جمعيات محلية ببني أنصار والناظور، فإن عدد الأطفال المتشردين والمرشحين للهجرة في محيط الميناء يتجاوز 250 شخصاً خلال الأشهر الأخيرة، منهم عشرات القاصرين الذين تتراوح أعمارهم بين 12 و18 سنة. هؤلاء يعيشون في ظروف قاسية، بلا مأوى، بلا رعاية صحية، وأغلبهم يعانون من الإدمان على مواد مثل “السيلسيون” و”القرقوبي”.
لكن الظاهرة لا تقتصر على بني أنصار وحدها. ففي ميناء طنجة المتوسط مثلاً، ورغم الصرامة الأمنية، جرى تسجيل محاولات تسلل مماثلة، غير أن التعامل هناك غالباً ما يتم وفق ضوابط قانونية واضحة دون اللجوء إلى استخدام كلاب الحراسة ضد البشر. وفي ميناء الدار البيضاء، حيث تتواجد مجموعات من المتشردين بالقرب من الأرصفة، يظل التدخل الأمني قائماً على الاعتقالات أو الإبعاد المؤقت، لا على المواجهة الجسدية العنيفة. هذه المقارنات تطرح علامات استفهام، أين هي
“L’approche de sécurite sociale”.
لماذا يبقى ميناء بني أنصار، تحديداً باب أربعة، بؤرة صدام متكرر بين الحراس والمرشحين للهجرة؟ هل لأن الميناء نقطة عبور مباشرة نحو إسبانيا يجعل الضغط أكبر؟ أم أن غياب رؤية اجتماعية واضحة في المنطقة يترك الأمن الخاص في مواجهة مباشرة مع مأساة إنسانية تتجاوز صلاحياته؟
القضية إذن أعمق من مجرد اشتباكات عابرة. إنها تعكس غياب سياسة وطنية متكاملة لمعالجة ملف التشرد والهجرة السرية. فالتقارير الرسمية تشير إلى أن المغرب يضم آلاف المتشردين والأطفال في وضعية صعبة، وأن نسبة معتبرة منهم تتجه إلى المدن الحدودية والموانئ بحثاً عن منفذ للهروب نحو الضفة الأخرى. هؤلاء لا يجدون سوى الشارع مأوى، والميناء بوابة أمل، لكنهم يُواجهون بالعنف بدل الحلول.
إن استمرار استخدام الكلاب في مواجهة بشر، بينهم أطفال، لا يسيء فقط لصورة المغرب الحقوقية، بل يطرح سؤال المسؤولية، من سمح بهذا الأسلوب؟ ومن يراقب عمل شركات الحراسة الخاصة؟ وهل رفعت تقارير دقيقة لعامل إقليم الناظور حول ما يجري؟ يبقى السؤال الأكبر مفتوحاً، هل يكفي التعامل الأمني وحده لإخماد هذه الظاهرة؟ أم أن المطلوب رؤية شاملة تُعالج جذور المشكلة، من فقر وتفكك أسري وإدمان، وتوفر حاضنة اجتماعية قادرة على إعادة هؤلاء الأطفال إلى مسار طبيعي يحفظ لهم كرامتهم وإنسانيتهم؟







