
“La décision”: قرار تحوّل إلى قناع للتلاعب الجمركي ونهب الثروات الوطنية
أحمد علي المرس
لم يعد خافيًا على أحد أن “La décision”، المسطرة المبسطة للأمتعة غير المصحوبة، تحوّلت من إجراء إداري بريء إلى أداة تستغل. قرار كان يفترض أن يسهل الإجراءات ويخفف الأعباء على المقاولات الصغيرة جدًا، أصبح اليوم غطاءً لتفشي المخالفات، واستغلال الثغرات، وإفلاس الشركات الصغيرة، وثراء فاحش لشركات محددة تستبيح القانون بوقاحة.
النظام الجمركي الذي يفترض أن يحمي مصالح الوطن صار ملعبًا مفتوحًا للّوبيات النافذة في النقل الدولي للأمتعة غير المصحوبة، والأمر لا يقف عند حدود المخالفات الصغيرة، بل يمتد إلى تهريب ونهب ثرواتنا الوطنية، وتحويل المساطر القانونية إلى ساحة للصراع بين القوة والضعف، بين المستفيد والمجبر على الخضوع.
تستند هذه المسطرة المبسطة للأمتعة غير المصحوبة إلى مدونة الجمارك والضرائب غير المباشرة التي أُقرت بمقتضى المرسوم رقم 2-77-862 الصادر بتاريخ 9 أكتوبر 1977، غير أنّ تنزيلها العملي لم يبدأ فعليًا إلا مع منتصف العقد الماضي، حين شرعت إدارة الجمارك، ما بين 2014 و2016، في إدماجها بشكل تدريجي ضمن سياسة التبسيط الموجهة للجالية المغربية المقيمة بالخارج، قبل أن يتم الحسم عبر دوريات تنفيذية، أبرزها تلك الصادرة بتاريخ 4 يونيو 2019، والتي وضعت القواعد التفصيلية لاعتماد شركات النقل الدولي للأمتعة غير المصحوبة وفق دفتر تحملات محدد.
مع ذلك، تحوّلت هذه المسطرة من أداة تنظيمية إلى آلية خطيرة للتلاعب والتهريب المنظم، حيث صارت بعض الشركات الحاصلة على هذه الرخصة تستغلها كدرع قانوني يتيح لها الإفلات من المراقبة واحتكار الامتيازات الجمركية الكاملة، في وقت تُقصى فيه المقاولات الصغرى والمتوسطة من المنافسة العادلة وتُدفع نحو الإفلاس.
أصبح هذا القرار بابًا مشرعًا أمام أبشع صور الجريمة الاقتصادية والجمركية، بدءًا من تهريب المخدرات القوية، حيث تؤكد محاضر الضبط حجز شحنات من الكوكايين والهيروين داخل مركبات نفعية وحافلات مسافرين تستفيد من “La décision”، ويمكن الرجوع إليها عبر أرشيف المحاضر المنجزة.
يمتد الأمر إلى دخول كميات مهولة من المؤثرات العقلية مثل إكستازي (Ecstasy)، روفوتريل (Rivotril / كلونازيبام)، ترامادول (Tramadol)، ميثامفيتامين (Methamphetamine) وأصناف أخرى تُهرّب تحت غطاء “الأمتعة الشخصية”، ثم تتوزع في الأسواق السوداء.
كذلك يتم تهريب السلع في الاتجاه المعاكس، مثل السجائر والمنتوجات المغربية المستفيدة من الدعم بكميات كبيرة دون أداء الرسوم الجمركية، ونهب الثروات الوطنية، كما هو الحال في أطنان من زيت الزيتون المغربي التي تُهرّب إلى الخارج دون أي سند قانوني، بدعوى أن الشركات المالكة “حاصلة على La décision”، وكأن هذا القرار صار رخصة للنهب والتصدير غير المبرر لثرواتنا الفلاحية.
وقد عبّر أصحاب بعض الشركات المتضررة جراء عدم حصولها على قرار المسطرة المبسطة للأمتعة غير المصحوبة “La décision” عن إفلاسهم، ولم يبقَ لهم سوى التوجه نحو الرباط إلى حيّ الرياض والاحتجاج أمام الإدارة العامة للجمارك من أجل إنصافهم ومنحهم “La décision”. كما صرّح أحد أصحاب الشركات من ضواحي الناظور والعروي وبويافر ومدينة بركان ووجدة بأن البنوك حجَزت على مركباتهم وتراكمت الديون جراء القروض البنكية، بينما هناك شركات أخرى تعرف الثراء الفاحش بحكم استفادتها من “La décision”، وهذه هي المعادلة القاسية، إفلاس وملاحقات للضعفاء، وثراء فاحش لمن يقف خلف غطاء القرار.
التجاوزات تشمل أيضًا استخدام المركبات النفعية بالمقطورات المرقمة بالخارج وغير الخاضعة للجبايات الوطنية، والتي تستفيد بدورها من القرار في ضرب صارخ لقواعد المنافسة الشريفة، وحرمان المقاولات الوطنية الناشئة من فرص عادلة.
وأما الأسعار فحدث ولا حرج، شركات متحكمة في السوق تخفض التعريفة إلى مستويات تفقد معها أي منطق اقتصادي (أقل من 10 دراهم للكيلوغرام محليًا للأمتعة، وأقل من 1 يورو في أوروبا للأمتعة)، ما يدفع البعض إلى الانخراط في التهريب القانوني تحت غطاء المسطرة المبسطة للأمتعة غير المصحوبة واستغلال الثغرات لإغراق السوق بسلع مهربة لا تراعي شروط السلامة الصحية والمعايير الدولية.
أما الشباك الوحيد “BADR”، الذي أُشيع عنه أنه سيخفف العبء الإداري ويُسهل الإجراءات الجمركية، بات جثة هامدة أمام تعقيدات نظام “MCIA” في الموانئ، حيث يبقى المستثمر والتاجر أسير روتين وتأخير يكلّف الاقتصاد مليارات، إضافة إلى وجود ما يعرف بين الأوساط بالكومي والمعشرين المزيفين في موانئ طنجة المتوسط، الدار البيضاء، بني أنصار الناظور وباقي المرافئ، وهو ما يشوّه سمعة المنظومة ككل ويقود إلى ابتزاز أصحاب البضائع وعمليات الغش وتصاريح غير متطابقة، كما كشفت محاضر ضبط وردت أمام القضاء.
شركات ومقاولات غير حاصلة على “La décision” تجد نفسها فريسة سهلة لهذا الابتزاز الممنهج، حيث يضطر أصحابها إلى دفع مبالغ مالية تحت الطاولة لبعض الكواما الذين يعملون مع المعشرين وأعوان الجمارك، بل وحتى بعض مفتشي الجمارك، قصد تمرير شحناتهم أو تسهيل إجراءاتهم الإدارية بدعوى عدم توفرهم على قرار المسطرة المبسطة للأمتعة غير المصحوبة.
هذا الوضع خلق سوقًا سوداء موازية داخل الموانئ، تُحوّل المساطر القانونية إلى مجال للمساومة والابتزاز، وتزيد من تكاليف النقل والتجارة بشكل خانق يهدد المقاولات الصغيرة بالإفلاس النهائي. سبق ضبط عدد من رخص مزورة تتعلق بـ “La décision”، والتي يتم استعمالها من طرف الشركات بحكم الإكراهات المطروحة، وتم تقديم أحدهم بميناء بني أنصار أمام أنظار المحكمة بالناظور، وتثبت في حقهم التزوير، ومتابعتهم بما نسب إليهم.
هذه الحالات تؤكد مدى استغلال الثغرة القانونية في تلاعب التصاريح الجمركية وابتزاز بعض أصحاب الشركات، وأيضًا ابتزاز بعض أعوان ومفتشي الجمارك.
من المهم التأكيد أن هذه الشركات والمقاولات تعمل ضمن النشاط التجاري للتصدير والاستيراد وفق القانون التجاري الوطني، وكلها حاصلة على سجل تجاري من لدن المحاكم التجارية المغربية ويمكن تعقبها عبر السجل الضريبي، مما يثبت شرعيتها وشفافيتها، رغم الاستغلال غير القانوني للقرار من طرف بعض الجهات.
أصبح واضحًا أنه لا بد من إعطاء الأولوية للمقاولات الصغيرة جدًا المستفيدة من المبادرة الملكية في إطار مبادرة “انطلاقة” ومنحها قرار “La décision” دون شرط أو قيد لتخفيف الأعباء المتراكمة على حساباتها البنكية وتأمين استمراريتها الاقتصادية.
نحن كأصحاب قطاع أدرى بخبايا الميدان يمكن إشراكنا من أجل إعداد نسخة محينة لقرار المسطرة المبسطة للأمتعة غير المصحوبة، حيث بإمكان طرح العديد من المقترحات العملية التي تعود بالنفع على القطاع وتضعه على السكة الصحيحة.
مراجعة القانون الحالي للمسطرة المبسطة باتت ضرورة ملحة نظرًا لما يتضمنه من ثغرات خطيرة، ويمكن للقارئ الاطلاع على نسخة من هذا القانون، وهو موجود على الموقع الرسمي للجمارك المغربية.
الجهات المسؤولة معروفة بالأسماء، نادية فتاح العلوي، وزيرة الاقتصاد والمالية، رياض مزور، وزير الصناعة والتجارة، وعبد اللطيف العمراني، المدير العام للجمارك والضرائب غير المباشرة، عبد الصمد قيوح، وزير النقل واللوجيستيك، هؤلاء مطالبون اليوم بإجراءات فورية وشاملة، مراجعة جذرية للمسطرة المبسطة للأمتعة غير المصحوبة مع إرساء شروط واضحة وشفافة تمنع الاستغلال، وضع دفتر تحملات صارم لمنح “La décision”، تشديد الرقابة على المركبات المرقمة بالخارج وعلى الشركات المغربية و المركبات المرقمة بالمغرب التي تتجاوز الحمولة والوزن المسموح به وفق اتفاقيات النقل الدولي (CMR وغيرها)، حظر وضع الأمتعة فوق الأسطح مع تغريم كل من ثبت في حقه المخالفة وفق مدونة السير المغربية (NARSA)، ربط الشباك الوحيد “BADR” بأنظمة شفافية تمنع التلاعب، فتح تحقيق قضائي إداري في ملفات التصاريح المزورة، وحماية السائقين والعمال من الاعتداءات وضمان ظروف عمل لائقة للعاملين في المعابر الحدودية.
إن استمرار الوضع الحالي يعني حكمًا بالإعدام الاقتصادي على آلاف المقاولات الصغيرة جدًا والصغرى والمتوسطة، وزيادة البطالة وتراجع القدرة التنافسية للقطاع. لا يمكن أن تبقى رسالة صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله لدعم المقاولات مجرد شعارات، في حين تُترك المصالح الوطنية تُنهب وتُهرَّب تحت مسمّى تنظيمي.
“La décision” لم يعد قرارًا تنظيمياً محايدًا، بل صار خنجرًا يوجَّه إلى قلب الاقتصاد الوطني، وعلى المسؤولين أن يتذكروا أن التاريخ لن يرحم المتواطئين مع الفساد، وأن التدخل الفوري هو وحده الكفيل بوقف هذا النزيف، إصلاحًا ومحاسبة وتعويضًا للمتضررين قبل فوات الأوان.






