رأي: الشباب المنسيون يكتبون بلغة الاحتجاج ما عجزت عنه الأحزاب

بقلم: أحمد علي المرس

بين صوت الاحتجاج ونداء الكرامة، حين يصبح العدل مطلبًا لا يقمع، تتكشف أمامنا صورة بلد أنهكته حكومة العجز والخيبة، وأحزاب الريع والفساد التي تحولت إلى مجرد آلات انتخابية لتوزيع المناصب والغنائم، بدل أن تكون أداة لإصلاح الوطن وخدمة المواطن؟ ما يجري اليوم في الشارع المغربي ليس طارئًا ولا عابرًا، بل نتيجة طبيعية لتراكمات سنوات من الإخفاقات، حيث فشلت الحكومة فشلاً ذريعًا في إصلاح المنظومة الصحية، وتركت المواطن البسيط يواجه المرض في مستشفيات تفتقد لأبسط التجهيزات، وأخفقت في إصلاح التعليم الذي ينهار عامًا بعد عام حتى صار يخرّج أجيالًا بلا أفق، وعجزت عن تقديم حلول لملف التشغيل ومحاربة البطالة التي صارت قدرًا جاثمًا على صدور الشباب، فيما انشغلت أحزابها بالصراعات الداخلية وتقاسم الغنائم!!!

جيل كامل من الشباب تُرك يواجه مصيره بلا تأطير ولا توجيه، نزل إلى الشارع مدفوعًا بالألم واليأس أكثر مما هو مؤطر برؤية أو مشروع، جيل فقد الهوية السياسية لأن الأحزاب التي كان يفترض أن تحتويه خانت رسالتها، والجمعيات التي يفترض أن تحتضنه انشغلت بالتمويل بدل خدمة المجتمع؛ شباب محتقن، غاضب، كاره، خرج يبحث عن صوت وكرامة، لكنه وجد نفسه في مقاهي يستهلك المخدرات علنًا، حشيش، كيف، وأقراص مهلوسة، تباع وتتعاطى في كل ربوع المملكة وفي الشوارع والمقاهي أمام أعين الجميع.

جزء كبير من هؤلاء الشباب سقط في براثن الانحراف والجريمة، بينما الحكومة لم تفعل شيئًا سوى تكريس عجزها المزمن وفشلها الذريع، تاركة المجتمع ينزف وأجيالًا كاملة تضيع في صمت؟ ورغم كل ذلك، يجب أن نميز بين الفتنة التي تمس وحدة الوطن وثوابته، وبين الصرخة التي تعكس وجعًا يوميًا يعيشه المواطن.

الفتنة مرفوضة قطعًا، لكن الاحتجاج ضد حكومة العجز والتغول وارتفاع الأسعار وانهيار القطاعات الاجتماعية هو فعل مشروع، صرخة حق وطلب عدل. فالكرامة ليست شعارًا انتخابيًا يُرفع عند الحاجة، بل حق أصيل لا يساوم عليه، والعدل ليس ترفًا فكريًا، بل أساس الدولة وضمان استقرارها. فكيف يُقبل أن يُهان المواطن في وطنه؟ وكيف يُغض الطرف عن أطفال يبحثون عن فتات الطعام في حاويات القمامة، أو شباب يغامرون بركوب قوارب الموت هربًا من وطن لم يمنحهم أبسط حقوق العيش الكريم، أو آخرين يذبلون في المقاهي بين العطالة والإدمان؟ إن القمع والترهيب ليسا سوى وقود يغذي الغضب ويؤجل الانفجار، والوطن لا يبنى بالخوف والصمت، بل بالحوار والعدالة. والاحتجاج السلمي، حين ينبع من ضمير حي، هو فعل حضاري ورسالة صادقة لمن يملك القرار بأن الإصلاح لم يعد خيارًا بل صار ضرورة مصيرية، وأن العدالة الاجتماعية والمجالية ليست شعارات للاستهلاك الإعلامي، بل حقوق طبيعية لا تُساوم ولا تُختزل في وعود جوفاء.

لقد كرم الله الإنسان فلا يُقبل أن يتحول في وطنه إلى مجرد رقم تافه، أو عاطل بائس، أو مهاجر يركب أمواج الموت. الكرامة خط أحمر لا يمكن تجاوزه، ورسالة الشارع اليوم واضحة، إما إصلاح شامل يرد الاعتبار للمواطن المغربي، أو انهيار قادم لا تنفع معه خطابات خشبية ولا تبريرات واهية. إن المغرب يقف اليوم أمام مفترق طرق، فإما أن تُصغي حكومة العجز والخيبة وأحزاب الريع والفساد لصوت الشعب وتستجيب لمطالبه العادلة، أو أن ترحل غير مأسوف عليها، ليفتح المجال أمام حكومة تكنوقراط يعينها الملك، قادرة على إعادة الثقة، وترميم الجراح، وصياغة أفق جديد يليق بشعب لم يعد يحتمل المزيد من الوعود الفارغة والسياسات الفاشلة.

وإننا، ونحن نوجه أصابع الاتهام إلى حكومة الفشل وأحزاب الريع، لا بد أن نوجه في الآن نفسه نداءً إلى شباب الوطن، إن صوتكم مسموع، ومطالبكم مشروعة، لكن قوتكم لن تكون في الصراخ العشوائي ولا في الاحتجاج غير المؤطر، بل في تنظيم صفوفكم، والبحث عن إطار قانوني يحميكم ويوحد كلمتكم ويحول طاقتكم إلى قوة اقتراحية وفعلية. فالأوطان لا تُبنى باليأس والانفعال، بل بالوعي والمسؤولية، ولا تُصان بالانحراف والمخدرات، بل بالعلم والمعرفة والنضال السلمي. إن صوت الشباب اليوم هو أمل الوطن، وإذا ما وجد التأطير والقيادة الحكيمة، فإنه سيكون طوق النجاة الذي يحمي المغرب من الانهيار ويدفعه نحو غد أفضل.

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى