الحكومة تراهن على “السكايرية” و”المدخنين” لسد عجزها المالي!

ريف ديا – أحمد علي المرس

في الوقت الذي كان ينتظر فيه المغاربة أن تأتي الحكومة الحالية برؤية اقتصادية مبتكرة تليق بمرحلة دقيقة من تاريخ البلاد، تفاجأ الرأي العام مجددًا بتمسكها بنفس الوصفات القديمة التي أكل عليها الدهر وشرب، إذ اختارت مرة أخرى الاعتماد على جيوب المواطنين — وتحديدًا المدخنين وشاربي الخمور — لسد عجز ميزانيتها المتفاقم.

وبحسب البيانات الرسمية لمشروع قانون المالية لسنة 2026، فإن الحكومة تراهن على مداخيل جبائية تفوق 21 مليارًا و168 مليونًا و205 آلاف درهم من الرسوم المفروضة على استهلاك التبغ والخمور، أي ثلاثة أضعاف ما ستحققه المملكة من أرباح من المجمع الشريف للفوسفاط (حوالي 7 مليارات درهم). وهنا يطرح السؤال الكبير؟ ألهذا الحد أصبحت جيوب المواطنين هي “المنجم” الأسهل في نظر الحكومة؟

ففي تفاصيل الأرقام، تتوقع الحكومة تحصيل 1.487 مليار درهم من الخمور والكحول، و1.963 مليار درهم من أنواع الجعة و النبيد الاحمر و باقي الانواع، إضافة إلى 17.717 مليار درهم من التبغ المصنع. وهي أرقام تكشف حجم الارتهان لضرائب الإدمان بدل الإبداع في خلق ثروات جديدة، المفارقة الصارخة أن المغرب، هذا البلد الغني بصحرائه وثرواته البحرية والمعدنية، وبأراضيه الزراعية الشاسعة، بل وبأعظم رأسماله المتمثل في شبابه الطموح، يجد نفسه في نهاية السنة المالية يغوص في العجز المالي ويحاول جاهداً تثبيت سقف العجز عند 3 في المائة من الناتج الداخلي الخام، مقابل 3.5 في المائة في السنة الجارية. لكن، عن أي استقرار تتحدث الحكومة؟ وكيف يُعقل أن بلداً يملك كل هذه الإمكانات الاقتصادية والبشرية يعيش على سياسة “الجباية السهلة” و”التدخين الممول”؟ أين هو الاقتصاد الاجتماعي الذي وعدت به الحكومة؟ وأين هي الاستثمارات المنتجة التي تخلق القيمة المضافة الحقيقية؟ فوفق مشروع قانون المالية الجديد، تبلغ الموارد الجبائية المنتظرة حوالي 366.5 مليار درهم، أي 20.1 في المائة من الناتج الداخلي الخام، بينما تبلغ النفقات الإجمالية 488.2 مليار درهم. المفارقة أن الموارد غير الجبائية لا تشكل سوى 62.7 مليار درهم، وهي نسبة ضعيفة جدًا في بلد يزخر بالمؤسسات العمومية والفرص الاستثمارية.

لقد فشلت الحكومة، بكل وضوح، في ابتكار بدائل حقيقية. فهي لم تضع استراتيجية إنتاجية تستثمر في العقول، ولا آليات ناجعة لتطوير الاقتصاد الأخضر أو الصناعات التكنولوجية، ولا سياسات فعالة لتحفيز المقاولات الوطنية الصغيرة جدا و الصغرى والمتوسطة. كل ما فعلته هو مواصلة نفس النمط المالي القائم على الاقتراض والضرائب غير المباشرة التي تثقل كاهل المواطن البسيط.

هل أصبحت الحكومة عاجزة عن التفكير خارج الصندوق؟ أم أنها اختارت الطريق الأسهل لتغطية فشلها؟ إن من المؤسف أن نرى ميزانية وطن بكامل ثقله الاقتصادي والاجتماعي تعتمد على “عائدات الإدمان”، في وقتٍ يفترض فيه أن تُبنى الميزانية على الابتكار والإنتاج والعدالة الجبائية. كان الأجدر أن نرى فائضًا في الميزانية بفضل حسن التدبير، لا عجزًا مستورًا وراء دخان السجائر ورغوة الجعة.

إنها سياسة العجز الممنهج. حين يُدار الوطن بمسكنات مالية؟ ما يجري اليوم ليس مجرد خلل في الأرقام، بل عطب في الفكر الاقتصادي ذاته. نحن أمام حكومة تُدير البلاد بمنطق “التسويف والمسكّنات”، تبرمج العجز كما لو أنه إنجاز، وتسوّق الفشل على أنه استقرار. هذه الحكومة، التي يفترض أن تفتح أبواب الإنتاج، أغلقتها لتبحث عن حلول في جيوب المواطنين، وكأن الوطن أصبح مشروع “جباية مفتوح” على حساب الطبقة الكادحة. لقد آن الأوان لقول الحقيقة كاملة… ما يجري هو فشل ممنهج في إدارة المالية العمومية، وسياسة ارتجالية تُغيب الرؤية وتُكرّس التبعية. فالوطن لا يُبنى بضرائب الخمور والسجائر، بل بعقول شبابه، وعدالة توزيع الثروة، وإرادة سياسية تُعيد الثقة للمستثمر والمواطن على حد سواء.

إنها حكومة الأرقام الباردة التي نسيت أن وراء كل رقم مواطنًا يُعاني، وأسرة تُكابد، واقتصادًا يفقد بوصلته يومًا بعد يوم. وإن استمر هذا النهج، فسيبقى العجز المالي عنوانًا دائمًا لعجزٍ أكبر؟ عجز في الرؤية، وفي الجرأة على الإصلاح الحقيقي.

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة adblock

المرجوا توقيف برنامج منع الإعلانات لمواصلة التصفح