جماعة الناظور بين الصراخ والتسيير…

ريف ديا : أحمد علي المرس
كلما حضرت دورة من دورات مجلس جماعة الناظور، شعرتُ أن الصراخ أصبح لغة رسمية، وأن الجدل العقيم صار قاعدةً تُدار بها جلسات يُفترض أن تكون لتدبير الشأن العام لا لتصفية الحسابات. صوتٌ عالٍ هنا، صراخ هناك، ووجوه تتسابق نحو الكاميرات بدل أن تتسابق نحو خدمة المواطن. مشهدٌ يختزل أزمة العمق في العمل السياسي المحلي، ويكشف عجزًا حقيقيًا في الفهم والمسؤولية. لقد بات من الضروري اليوم، ونحن نتابع هذا المشهد المثير للأسى، أن نعيد التفكير بعمق فيمن نمنحهم شرف تمثيلنا داخل المجالس المنتخبة. فالمواقع التي تُعنى بخدمة المواطن لا تُدار بالعنجهيّة، ولا تُصلحها الطاولات المقلوبة ولا الكراسي المحطّمة. تلك ليست لغة الحوار ولا أسلوب التدبير، بل سلوك يفضح ضعف الشخصية ويكشف انعدام النضج السياسي لدى من يُفترض فيهم خدمة الصالح العام. من المؤسف أن يتحول المجلس الجماعي إلى ساحة للجدال العقيم بدل أن يكون فضاءً للنقاش الراقي وصناعة القرار التنموي. لقد حضرت شخصيًا عددًا من الدورات العادية
والاستثنائية، وخرجت بانطباع واحد مؤلم؟ الفوضى سيدة الموقف، والتهريج هو القاعدة، والجدية هي الاستثناء. تُرفع الأصوات، تُطلق الاتهامات، وتُمارس المزايدات، بينما تغيب الرؤية التنموية والنقاش الهادئ القائم على المعطيات والوقائع.
إن من يلجأ إلى الصراخ إنما يفصح عن عجز داخلي قبل أن يُظهر موقفًا سياسيًا. فالصوت العالي ليس دليل قوة، بل علامة على هشاشة فكرية وارتباك نفسي، كما يؤكد علماء الاجتماع والنفس. وقد أشار ميكافيلي في كتاب الأمير إلى أن القائد الحكيم لا يحتاج إلى ضجيج ليفرض رأيه، بل إلى عقلٍ متزن وفكرٍ ثاقب يُقنع بالحجة لا بالعنف اللفظي.
إن هذه النماذج من المستشارين الذين يتعاملون مع الشأن العام بعقلية الصراخ والمزايدات، لا يختلفون عن نبات القصب… جوفاء، تميل مع كل ريح، لا ثبات لها ولا نفع يُرجى منها. والسؤال الذي يفرض نفسه هنا؟ كيف يُعقل أن تُسند مهام تدبير مدينة بحجم الناظور إلى من يفتقدون الأهلية السياسية، والاتزان الأخلاقي، والقدرة على الحوار المسؤول؟
لقد بات واضحًا أن بعض من يدّعون تمثيل الساكنة لا يملكون من المؤهلات سوى الشهادة الورقية أو الخطاب الشعبوي. أما الكفاءة الحقيقية، فهي في النزاهة، والقدرة على التفكير الاستراتيجي، والوعي بالمصلحة العامة، وهي خصال غابت عن أغلب ممثلينا للأسف. علينا نحن أبناء الناظور أن نكون أكثر وعيًا، وأن لا ننخدع بالشعارات الرنانة والكلام المعسول الذي يُسوّق في كل موسم انتخابي. فالمستقبل لن يُبنى على الوعود الكاذبة، بل على العمل الميداني الجاد، والغيرة الصادقة على المدينة، والتفاني في خدمة المواطن بعيدًا عن المصلحة الشخصية.
الناظور تستحق من يمثلها بكرامة، من يستمع أكثر مما يتكلم، ويخدم أكثر مما يعد، ويعمل في صمت من أجل النفع العام لا من أجل الكاميرا. أما أولئك الذين يمارسون السياسة كاستعراض، فمكانهم ليس في تسيير الشأن المحلي، بل في صفحات التواصل الاجتماعي التي لا تبني وطنًا ولا تنفع مواطنًا.
لقد آن الأوان لأن نضع حدًا لهذا الروسكلاج السياسي الذي يفرز نفس الوجوه في كل محطة انتخابية، بألوان حزبية مختلفة وأقنعة جديدة، لكن الجوهر واحد؟ مصالح ضيقة، وانتهازية مكشوفة. فجل الأحزاب التي تقلدت زمام الأمور منذ عقود لم تنجح في تدبير الشأن العام، وكل ما تحقق من منجزات كبرى في البلاد هو ثمرة الرؤية الملكية السامية والتوجيهات الحكيمة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، لا فضل للأحزاب فيها سوى ركوبها وتبنّيها إعلاميًا.
وعليه، فإن الانتخابات المقبلة يجب أن تكون محطة فاصلة بين وعي المواطن وتلاعب الساسة، بين البناء الحقيقي والعبث المزمن. علينا أن نعاقب الأحزاب التي خذلتنا، وأن نمنح الفرصة للشباب النزيه،
وللأحزاب الوطنية النظيفة التي لم تتورط في تدبير فاشل.
وأؤكد هنا، بصفتي منسقًا جهويًا بالجهة الشرقية للمنظمة المغربية للملكيين عبر العالم، وفاعلًا جمعويًا وإعلاميًا حرًّا متتبعًا للشأن المحلي والجهوي والوطني، أن المجتمع المدني اليوم لم يعد مجرد ديكور لتزيين المشهد السياسي، بل هو ركيزة أساسية في البناء الديمقراطي الحديث. فالتنمية المحلية لن تتحقق إلا بإشراك فعلي للمجتمع المدني في بلورة القرار العمومي، وفق مقاربة تشاركية حقيقية لا صورية، تضع مصلحة المواطن فوق كل اعتبار.
إن الناظور اليوم في حاجة إلى كفاءات صادقة لا إلى ممثلين غوغائيين، إلى رجال دولة لا إلى مهرّجين، إلى من يملكون الرؤية والعقل قبل الميكروفون والصوت.
فمدينتنا لا تُبنى بالضجيج، بل بالضمير.







