صفقات كراء السيارات على صفيح ساخن.. 35 مليار سنتيم تُثير زوبعة التحقيقات!

ريف ديا – أحمد علي المرس

تُباشر مصالح المفتشية العامة للمالية تحقيقات دقيقة وتدقيقات مالية معمقة على مستوى مؤسسات ومقاولات عمومية، عقب ورود معطيات تُفيد بوجود اختلالات جسيمة في تدبير صفقات كراء السيارات، تجاوزت قيمتها الإجمالية 350 مليون درهم (35 مليار سنتيم)، ضمن عقود أبرمتها هذه المؤسسات مع ثلاث شركات مهيمنة على قطاع الكراء طويل الأمد.

ووفقًا لمصادر مطلعة لموقع ريف ديا، فإن مفتشي المالية انتقلوا إلى مصالح تابعة لمؤسسة عمومية مركزها الدار البيضاء، بعد تسجيل زيادات غير مبررة في عدد السيارات المكتراة، إلى جانب الإفراط في اللجوء إلى صفقات الكراء دون مبرر موضوعي.

وقد تم فتح تحقيق موسع للتدقيق في شروط العقود وكلفتها الحقيقية، بعد أن تبين أن بعض الإدارات عمدت إلى تفويت صفقات بالتراضي وتقسيمها إلى أشطر صغيرة لتفادي طلبات العروض القانونية.

وأفادت المصادر نفسها بأن المراقبين الماليين وقفوا على اختلالات واضحة في نوعية السيارات المكتراة، إذ لوحظ عدم تناسبها مع طبيعة المهام الموكولة للمستفيدين منها، حيث تورطت إدارات في كراء سيارات فاخرة لموظفين ميدانيين يُفترض فيهم التنقل إلى الأوراش والمشاريع، مما جعل هذه الصفقات تفتقر إلى الجدوى وتمثل هدرًا صريحًا للمال العام.

كما سجّلت فرق البحث التابعة للمفتشية غيابًا للبنود المتعلقة بالصيانة في بعض العقود المبرمة مع الشركات، الأمر الذي كبّد الإدارات المستفيدة خسائر مالية كبيرة، إضافة إلى غياب آليات فعالة للتتبع والمراقبة التقنية، إذ تبيّن أن عدداً من السيارات تعطلت وخرجت من الخدمة رغم الأداءات السنوية المرتفعة التي خُصصت للصيانة. وهو ما يدخل في إطار الاستفادة المالية دون وجه حق، وتقديم خدمات صورية مقابل مبالغ ضخمة.

وبيّنت المعطيات الأولية تفاقم الكلفة العامة لحظيرة السيارات المستعملة من قبل الإدارات العمومية، إذ بلغت حوالي 900 مليون درهم (90 مليار سنتيم)، باحتساب مصاريف التأمين وأجور السائقين، في حين دفعت هذه الكلفة المرتفعة عددًا من المسؤولين إلى تفضيل نظام الكراء بدل التملك، وهو ما فتح شهية بعض النافذين والمسؤولين العموميين لدخول قطاع كراء السيارات، مستغلين هذا التوجه الجديد للإدارات.

وأكدت مصادر متطابقة أن مفتشي المالية بصدد التحقق من شبهات حصول بعض المسؤولين والموظفين العموميين على منافع وعمولات غير مشروعة، مقابل تفصيل صفقات كراء السيارات على مقاس شركات بعينها، مقربة من بعضهم، وذلك بعد تلقي المفتشية معطيات من اللجنة الوطنية للطلبيات العمومية بشأن طعون تقدم بها منافسون تحدثوا عن اختلالات مسطرية وإخلال بمبدأ المنافسة الشريفة وتكافؤ الفرص في الولوج إلى الصفقات العمومية.

وأضافت المصادر ذاتها أن ارتفاع الميزانيات المخصصة لكراء السيارات شجع عدداً من المسؤولين على تأسيس شركات كراء بأسماء أقارب أو شركاء من محيطهم الشخصي، بل إن بعض أعضاء الجماعات المحلية والمجالس الإقليمية والجهوية بادروا بدورهم إلى إنشاء شركات من هذا النوع، مستفيدين من توجه الإدارات العمومية نحو الكراء بدل الاقتناء، لا سيما بعد أن دعت الحكومات الثلاث الأخيرة المؤسسات العمومية إلى اعتماد صفقات الكراء طويل الأمد في إطار ترشيد النفقات العمومية وتخفيف الضغط عن ميزانية الدولة.

وضمن تقاريرها الأولية، رصدت خلايا التفتيش المالي أيضًا شبهات تلاعب في دفاتر الشروط الخاصة بصفقات الكراء، حيث جرى إعدادها بطريقة تُيسّر فوز شركات بعينها، تتوفر وحدها على المواصفات التقنية المطلوبة، وهو ما يثير تساؤلات عميقة حول نزاهة وشفافية تدبير المال العام في هذا القطاع الحيوي.

وبينما تتواصل الأبحاث الجارية بإشراف مباشر من المفتشية العامة للمالية، تبرز الحاجة الماسة إلى إعادة تقييم شاملة لمنظومة صفقات الكراء داخل الإدارات العمومية، بما يضمن ترشيد الإنفاق العام، وتعزيز مبادئ الشفافية والمساءلة، وحماية المال العام من أي استغلال أو انحراف إداري.

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة adblock

المرجوا توقيف برنامج منع الإعلانات لمواصلة التصفح