تحليل: عامل الناظور يرسم ملامح جيل جديد من التنمية الترابية برؤية تشاركية ومواطِنة

ريف ديا – جواد بودادح

جاءت كلمة عامل إقليم الناظور، السيد جمال الشعراني، خلال اللقاء التشاوري المنعقد بمقر العمالة يوم الأربعاء 5 نونبر الجاري، لتؤسس لمرحلة جديدة في تدبير الشأن التنموي المحلي، عنوانها الأبرز المشاركة، الحكامة، والفعالية. الكلمة لم تكن خطاباً بروتوكولياً بقدر ما كانت تشخيصاً صريحاً ودقيقاً لواقع التنمية بالإقليم، ودعوة مفتوحة لإعادة التفكير في كيفية تدبير المشاريع الترابية، بما ينسجم مع التحولات الوطنية الكبرى التي تعرفها البلاد.

منذ البداية، حرص العامل على التأكيد بأن برنامج التنمية الترابية المندمجة ليس مجرد مشروع تقني أو وثيقة تخطيط إداري، بل هو ترجمة ميدانية للتوجيهات الملكية السامية التي دعت إلى إرساء جيل جديد من البرامج التنموية، يقوم على التكامل بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والمجالية، ويعتمد على القرب من المواطن باعتباره محور التنمية وغايتها الأساسية.

اللافت في مداخلة الشعراني هو تركيزه على الإشكالية البنيوية المرتبطة بطريقة تنزيل المشاريع، حيث اعتبر أن المشكل لا يكمن في نقص الموارد أو غياب البرامج، بل في ضعف التنسيق والنجاعة في التنفيذ. هذه الإشارة تحمل بين طياتها نقداً ضمنياً للممارسات الإدارية السابقة التي كانت تفتقد في كثير من الأحيان إلى روح المتابعة والتقييم، وهو ما أفرز مشاريع متعثرة أو منقوصة الأثر على الواقع المعيشي للمواطنين.

في المقابل، قدم عامل الإقليم مقاربة جديدة تقوم على إشراك الساكنة في التشخيص وصياغة الحلول. فقد أعلن عن تنظيم لقاءات محلية على مستوى الجماعات بإشراف رجال السلطة والإدارة الترابية، إضافة إلى إطلاق منصة إلكترونية تفاعلية تتيح للمواطنين المشاركة في إعداد التصور التنموي. هذه الخطوة تمثل تحولاً نوعياً في منهجية التخطيط، إذ تنقل المواطن من موقع المتلقي إلى فاعلٍ مشاركٍ في صياغة القرار التنموي، بما يعزز الثقة بين الإدارة والمجتمع.

تحليل مضمون الخطاب يكشف أيضاً عن رؤية جديدة للسلطة المحلية، لم تعد محصورة في الجانب الأمني أو الإداري، بل باتت تضطلع بدور محوري في القيادة الاستراتيجية للتنمية المجالية. فالعامل اليوم، وفق هذا التوجه، يتحول إلى “مهندس ميداني” يوجه الفاعلين ويضمن التناسق بين المشاريع والغايات الكبرى التي رسمها جلالة الملك محمد السادس في مختلف الخطب والتوجيهات الملكية.

ويأتي هذا اللقاء التشاوري في ظرفية دقيقة يعيشها إقليم الناظور، الذي يطمح إلى تحقيق إقلاع تنموي متوازن يواكب دينامية المشاريع الكبرى في الجهة الشرقية، مثل ميناء الناظور غرب المتوسط، ومشاريع البنية التحتية المهيكلة. لذلك، فإن الرهان المطروح أمام الفاعلين اليوم هو تحويل التشخيص إلى التزام، والرؤية إلى إنجاز، عبر مقاربة مندمجة تعيد الاعتبار لمفهوم التنمية كعملية جماعية متواصلة لا كمشاريع ظرفية متفرقة.

إنّ الرسالة المركزية في خطاب عامل الإقليم تتجسد في أن التنمية ليست مجرد استثمار في الحجر، بل في البشر أولاً، عبر إشراكهم، والاستماع إليهم، وبناء الثقة في قدرتهم على الإسهام في تحسين محيطهم. ومن هنا يمكن القول إن الناظور بصدد تجربة نموذجية في الحوكمة الترابية، إذا ما تم تفعيل مضامين هذه الرؤية على أرض الواقع.

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى