التوطين الجبائي بين بساطة الظاهر وخطورة الباطن.. لا عذر بجهل القانون

ريف ديا – أحمد علي المرس

في مشهد جبائي متسارع التطورات، كشفت مصادر مطلعة لموقع ريف ديا عن تحرك غير مسبوق لمصالح المديرية العامة للضرائب، حيث باغتت قباضات وشبابيك تابعة للمديريات الجهوية للضرائب عدداً من مراكز التوطين (Centres de domiciliation) الواقعة ضمن نفوذها الترابي، بإشعارات رسمية تُلزمها بتسوية وضعيات شركات مَدينة تستفيد من خدماتها، تحت طائلة تحميلها المسؤولية التضامنية (responsabilité solidaire) في أداء الديون العمومية.

استندت هذه الإجراءات إلى مقتضيات المادة 93 من القانون رقم 15-97 المتعلق بمدونة تحصيل الديون العمومية، التي تخوّل للإدارة الجبائية حق متابعة الموطن بصفته مسؤولاً بالتضامن، متى أخلّت الشركة الموطنة بالتزاماتها القانونية أو الضريبية (obligations fiscales).

وتؤكد المصادر ذاتها أن هذا التحرك الإداري جاء إثر رصد تنامي حالات تهرب وتخلف مقاولات عن أداء ما بذمتها من ضرائب، رغم استمرارها في الاستفادة من خدمات التوطين داخل مكاتب تجارية ومحاسبية متخصصة. ويُلزم القانون رقم 89-17 المعدّل لمدونة التجارة مراكز التوطين بمسك سجلات تعريف وتوثيق الشركات الموطنة، مع التصريح السنوي بنشاطها وإبلاغ الإدارة الجبائية والمحكمة التجارية بانتهاء العقود داخل الآجال المحددة، وإلا كانت عرضة للمساءلة القانونية.

وفي واقعة كشفت عمق الإشكال، وجّه أحد القابضين بإدارة الضرائب في الرباط إشعارًا رسميًا لمكتب محاسبة بمدينة سلا، محمّله مسؤولية تضامنية عن أداء الضرائب المستحقة لشركة ذات المسؤولية المحدودة (SARL) موطنة لديه، بعد استنفاد كافة إجراءات التحصيل الجبري (recouvrement forcé) دون جدوى، رغم توصل المكتب بكل الإنذارات والإشعارات المرتبطة بالملف.

وفي إطار حملة وطنية متواصلة، طلبت المديرية العامة للضرائب قوائم بأسماء مقاولات “غير نشيطة” تستغل خدمات التوطين في محور الدار البيضاء – الرباط، تمهيدًا لتوجيه إشعارات تسوية لوضعياتها الجبائية، خصوصًا تلك المتورطة في تجارة الفواتير والغش الضريبي المنظّم، حيث يتم استغلال فضاءات التوطين كواجهة للتملص من المراقبة الميدانية.

وتشير التحريات المنجزة من قبل مصلحة تدبير الملاءمة الجبائية للمقاولات إلى وجود شركات وهمية متخصصة في إصدار فواتير مزيفة ومستندات محاسبية صورية، تعتمدها مقاولات متوطنة كوسيلة للتهرب الضريبي. والأسوأ أن عددًا من مراكز التوطين لم تبادر إلى إشعار الإدارة الجبائية بهذه الوضعيات غير القانونية، مكتفية باستخلاص العمولة عن الخدمة، دون القيام بدورها التحسيسي أو القانوني تجاه المسيرين والمساهمين.

ويحذر خبراء الجباية من أن “بساطة” مسألة التوطين في ظاهرها لا تعفي المانحين من تبعاتها القانونية والمالية، إذ قد تتحول العلاقة التعاقدية البسيطة إلى التزام تضامني في الأداء، وتتراكم الديون العمومية على المانح نفسه باعتباره ضامنًا. وهنا تتجلى خطورة الجهل بالقانون، فـ “Nul n’est censé ignorer la loi” — لا يُعذر أحد بجهله للقانون.

لقد نبّهنا في أكثر من مناسبة إلى أن التهاون في احترام الضوابط الجبائية والتعامل التساهلي مع إجراءات التوطين يفتح الباب أمام تراكم الالتزامات وتوريط الأبرياء في نزاعات ضريبية معقدة. واليوم لم يعد مجال للتملص من أداء الواجبات، ولا للتذرع بجهل المساطر، فالمسؤولية مشتركة، والصرامة أصبحت واقعًا مفروضًا في المنظومة الجبائية الجديدة التي تُعيد رسم العلاقة بين الإدارة والمكلفين بالضريبة على أسس الشفافية والمساءلة.

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة adblock

المرجوا توقيف برنامج منع الإعلانات لمواصلة التصفح