من دهاليز الجمارك.. “القبول المؤقت” يتحول إلى ثغرة ذهبية يستغلها جشع التجار!

ريف ديا : احمد علي المرس
في خطوة وُصفت بأنها بداية القطع مع سنوات من الاختلالات البنيوية في مجال الاستيراد والتصدير، فتحت عناصر الفرقة الوطنية للجمارك تحقيقات موسعة في واحدة من أخطر الملفات التي تهدد الاقتصاد الوطني وتنهك خزينة الدولة، بعدما كشفت مؤشرات أولية عن تورط أزيد من 253 مقاولة في تحويل امتيازات الإعفاء الجمركي المؤقت إلى وسيلة للإثراء غير المشروع. وأكدت المصادر أن جوهر هذا الخرق يستند إلى استغلال نظام “القبول المؤقت – Admission Temporaire” بطريقة احتيالية، ما اعتُبر هفوة قانونية – Faille Juridique طالما تسلل منها عديمو الضمير والجشع لتحقيق أرباح شخصية على حساب المال العام.
وبحسب مصادر مطلعة توصلت بها ريف ديا، فقد صرّح مستوردون بأن بضائعهم عبارة عن مواد أولية موجّهة للتصنيع والتصدير، غير أن الأبحاث كشفت إعادة بيعها داخليًا رغم استفادتها من إعفاءات جمركية تصل إلى مليارات السنتيمات، في خرق سافر للقانون واستغلال فجّ لما يعرف بـ استغلال الثغرات القانونية – Exploitation des Lacunes في مدونة الجمارك.
وأبرزت المصادر نفسها أن مفتشي المراقبة بالجهاز الجمركي انتقلوا رفقة أعوان الفرقة الوطنية للجمارك إلى مخازن شركات مستوردة موزعة entlang المحور الرابط بين القنيطرة والجديدة، قصد جرد السلع المتحصل عليها عن طريق الاستيراد ومقارنتها بالصادرات الفعلية. وأسفرت هذه المراقبة الميدانية عن فوارق صادمة بين سجلات الواردات والصادرات، إذ تبين أن شركات عديدة لم تسجل أي عملية تصدير رغم استفادتها من الامتيازات المؤقتة عند استيراد كميات ضخمة من المواد الأولية.
وأكدت المصادر ذاتها أن مراقبي الجمارك ركزوا على التحقق من الكميات المستوردة من طرف عشرات الشركات المشتبه في تحويل الإعفاءات إلى أرباح إضافية عبر إعادة بيع تلك السلع داخل السوق الوطنية، وهو ما اعتُبر منافسة غير مشروعة وضررًا مباشرًا للمقاولات الجادة. وقد تقدمت مقاولات متضررة بشكايات رسمية إلى تمثيلياتها المهنية، التي أشعرت بدورها الإدارة العامة للجمارك والضرائب غير المباشرة بوجود هذه التجاوزات.
وتفيد المعطيات نفسها أن القيمة الإجمالية للسلع المستفيدة من الإعفاءات الجاري التحقق منها تجاوزت 227 مليون درهم، جرى استيرادها منذ أكثر من سنة من قبل شركات يشتبه في أن مسيريها تعاملوا مع هذه الامتيازات الجبائية كـ مصدر للربح السريع لا كآلية لدعم الاقتصاد الوطني. وقد اعتمدت الفرقة الوطنية للجمارك في توسيع أبحاثها على قواعد بيانات مترابطة مع مؤسسات حكومية وهيئات مهنية، خصوصًا في قطاعات النسيج والأثواب والمواد البلاستيكية والعقاقير الطبية، وهي قطاعات تئن تحت ضغط منافسة شرسة مفتعلة عبر السلع المتدفقة تحت نظام القبول المؤقت.
ويقوم نظام القبول المؤقت – Admission Temporaire على تمكين المقاولات من استيراد مواد أولية للتصنيع دون أداء الرسوم والمكوس، مع الالتزام بإعادة تصديرها داخل الآجال القانونية،
وأكدت المصادر لـ ريف ديا أن عناصر الفرقة استعانت أيضًا بتقارير مراقبة جهوية لتعقب مآل أطنان من السلع التي دخلت البلاد كمواد أولية و”اختفت” في حسابات التصدير، فيما حاولت شركات مشتبه فيها تبرير الفوارق بمحاضر تتحدث عن تلف كميات مهمة خلال التخزين، غير أن الواقع يكشف أن نسب التلف محددة قانونيًا بالنسبة لكل قطاع، وتُخصم تلقائيًا من الكميات المستوردة، ما يجعل تبريرات تلك الشركات واهية وغير منطقية في نظر المحققين.
وتعتبر هذه الأبحاث المفتوحة، وفق مصادر مهنية، منعطفًا حقيقيًا في محاربة الغش الجمركي ووضع حد لسنوات من التحايل على القانون وامتصاص موارد الدولة عبر استغلال الامتيازات المؤقتة – Régimes Économiques en Douane، في خطوة ينتظر أن تعيد الانضباط والشفافية إلى واحد من أهم الملفات ذات الصلة مباشرة بالأمن الاقتصادي الوطني.







