الجمارك تكشف مسالك الظل ، وتُسقط 30 طناً من السموم.

ريف ديا : احمد علي المرس
توصلت الجريدة الإلكترونية ريف ديا من مصادر مطلعة بمعطيات دقيقة حول واحدة من أخطر العمليات التي عرفها إقليم آسفي خلال السنوات الأخيرة، بعدما تمكنت المصالح الجمركية من حجز ما يفوق 30 طناً من مخدر الشيرا في عمليتين متوازيتين، وهي الكمية التي تكشف حجم التمدد الشبكي للاتجار الدولي في المخدرات وخطورة المسارات التي تستغلها هذه العصابات لإغراق الأسواق وإرباك الأمن الاقتصادي والوطني. وقد أكدت المصادر ذاتها أن هذه العملية اعتمدت على منهجية Analyse de risque التي تُعدّ أداة مركزية في العمل الجمركي الحديث لتتبع المؤشرات المشبوهة واستباق تحركات الشبكات الإجرامية.
أبرزت نفس المصادر أن العملية الأولى تمت يوم الأحد 23 نونبر الجاري إثر يقظة ميدانية واشتغال استخباراتي دقيق، حيث داهمت عناصر الجمارك مستودعًا سريًا بضواحي المدينة لتجد نفسها أمام ما يفوق 30 طناً من مخدر الشيرا جاهزة للتهريب، إضافة إلى زوارق مطاطية عالية القدرة ومحركات بحرية متطورة وكميات مهمة من الوقود المخصّص لعمليات الهجرة السرية والتهريب الدولي، وهي الكمية التي تثير سؤالًا عريضًا حول كيفية وصول مثل هذه الحمولة الضخمة إلى مدينة ساحلية بعيدة تمامًا عن المناطق التي تُزرع فيها نبتة القنب الهندي، وكيف تمر عبر السدود القضائية ونقاط المراقبة في الطرق المؤدية إلى أسفي دون أن تثير الشبهات، في وقت تتطلب فيه هذه التحركات مزيدًا من التحصين للبنيات الطرقية خدمةً لـ Chaîne de contrôle التي ترتكز عليها المصالح الجمركية لضمان انسياب قانوني وآمن للسلع.
ولم تتوقف الجمارك عند الضربة الأولى، بل عادت لتُحبط بعد أيام قليلة عملية ثانية حجزت خلالها لوحتين للترقيم وخراطيش رصاص وعددًا من الهواتف والأجهزة الإلكترونية، وذلك إثر Inspection approfondie نفذتها فرق المراقبة، وهي مؤشرات تعكس تنوع الأنشطة الإجرامية التي تتحرك في محيط أسفي بين الاتجار الدولي والتهريب البحري وربما الإعداد لأعمال إجرامية أخطر. ويجمع المتتبعون للشأن المحلي على الثناء على أسلوب القيادة الهادئة والحاسمة التي ينتهجها المسؤول الإقليمي للجمارك بآسفي، حيث يشتغل بمنطق النتائج لا بمنطق الظهور، فيما يعمل عناصره كجنود اقتصاديين لا يبحثون عن الأضواء، بل يشتغلون بتركيز وانضباط، متتبعين الخيوط، قارئين التحركات، وقاطعين الطريق أمام أي محاولة لضرب الاقتصاد الوطني أو تهديد سلامة المواطنين.
إن هذه العمليات النوعية تؤكد أن الجمارك ليست جهاز مراقبة حدوديًا فحسب، بل مؤسسة أمن اقتصادي واستراتيجي تُحبط يوميًا مسارات سوداء كان يمكن أن تتحول إلى كوارث اجتماعية وصحية واقتصادية لو نجحت في العبور، لأن كل كيلوغرام من المخدرات المحجوزة هو روح شاب تم إنقاذها، وكل قارب مطاطي مُصادر هو رحلة موت تم تعطيلها، وكل عملية ناجحة هي حماية للوطن من نزيف اقتصادي كان سيستنزف خزينة الدولة. وبذلك يعود السؤال المركزي ليطرح نفسه بقوة… إلى أي حد يمكن لمدينة ساحلية كآسفي أن تتحصّن دون جهاز جمركي يقظ، صاحب حس استخباراتي ومهني قادر على تفكيك الشبكات قبل ولادة مخططاتها؟ وما وقع في أسفي ليس مجرد خبر عابر، بل رسالة واضحة مفادها أن الجمارك هي خط الدفاع الأول عن الاقتصاد الوطني، وأن الحرب على شبكات التهريب ليست معركة يوم، بل معركة وطن تُخاض في المستودعات السرية، والمرافئ، والطرقات، وبعقلية يقظة لا تنام.







