ندوة وكالة “مارتشيكا”.. أرقام متقلبة ووعود متذبذبة

ريف ديا – الناظور

أثارت الندوة الصحفية التي عقدتها المديرة العامة لوكالة تهيئة بحيرة مارتشيكا، لبنى بوطالب، موجة واسعة من الاستياء وسط ساكنة الناظور وعدد من الفاعلين والمتتبعين للشأن العام المحلي، بعدما اتضح أن اللقاء لم يخرج عن كونه عرضًا إشهاريًا أكثر منه مناسبة لتقديم أجوبة واضحة ومقنعة حول حصيلة الوكالة وآفاق اشتغالها.

الندوة، التي وُصفت بالمحتشمة من حيث المضمون والجرأة، والتي تم فيها إقصاء عدد كبير من وسائل الإعلام المحلية وممثليهم بشكل متعمد وغير مبرر، لم تحمل جديدًا يُذكر، ولم ترتقِ إلى مستوى انتظارات الساكنة التي ظلت لسنوات تُعلّق آمالًا كبيرة على وكالة مارتشيكا باعتبارها أحد أبرز المتدخلين في مسار تنمية الإقليم. فبدل تقديم رؤية واضحة ومشاريع ملموسة، اكتفت المسؤولة بعرض خطوط عريضة عامة، أعادت إلى الأذهان أسئلة قديمة دون أن تقدم لها أجوبة حقيقية.

أكثر ما أثار حفيظة المتابعين هو الارتباك الواضح في الأرقام والمعطيات المالية. فبعد أن سبق للمديرة العامة أن صرحت في مناسبات سابقة بأن ميزانية التهيئة ستبلغ حوالي 90 مليار سنتيم خلال سنتي 2026 و2027، عادت اليوم لتتحدث عن غلاف مالي لا يتجاوز 30 مليار سنتيم فقط خلال السنتين المقبلتين.

انخفاض صادم بنسبة تقارب 65 في المائة، جعل كثيرين يستحضرون المثل القائل: “تمخض الجبل فولد فأرًا”، وطرح علامات استفهام عريضة حول مصداقية الوعود السابقة وجدّية الالتزامات المعلنة.

هذا التراجع المالي الكبير لا يمكن اعتباره مجرد “تحيين للأرقام”، بل يعكس، بحسب متتبعين، إما غياب رؤية واضحة للتخطيط أو ضعف القدرة على الدفاع عن مشاريع الإقليم لدى الجهات المركزية، وهو ما ينعكس مباشرة على وتيرة التنمية وحجم الأوراش المنتظرة.

الأدهى من ذلك، أن الندوة تجاهلت بشكل شبه تام الملفات الساخنة التي تشغل بال ساكنة الناظور. فلم تقدم أي تصور عملي بخصوص مشروع المركب الرياضي الجديد، الذي تعتبره الساكنة ورشًا استراتيجيًا قادرًا على إحداث دينامية رياضية واقتصادية بالمدينة، ويتطلب تعبئة جماعية ورصد ميزانيات وازنة، بدل الاكتفاء بإشارات عابرة لا تسمن ولا تغني من جوع.

كما غاب أي جواب واضح حول مشروع الوادي بشارع الريف الكبير، الذي توقفت أشغاله منذ مدة وتحول إلى مستنقع حقيقي يهدد الصحة العامة وسلامة سكان حي الناظور الجديد، أحد أرقى وأغلى أحياء المدينة. صمت الوكالة عن هذا الملف الحساس اعتبره كثيرون استخفافًا بمعاناة الساكنة وتغاضيًا عن مسؤولية مباشرة.

ولم تتوقف مظاهر الاختلال عند حدود الأرقام والميزانيات، بل تجلت بشكل صارخ في واقع المساحات الخضراء التي كان يُفترض أن تشكل إحدى أبرز ثمار مشاريع التهيئة. فعلى طول كورنيش مدينة الناظور، تحولت مساحات خضراء أنفقت عليها أموال عمومية مهمة إلى أراضٍ قاحلة وصحراء إسمنتية، بعد أن طالها الإهمال وغياب الصيانة، لتفقد وظيفتها الجمالية والبيئية، وتتحول إلى شاهد صامت على سوء التدبير وانعدام الاستمرارية.

والمفارقة الصادمة، أن هذه الوضعية البئيسة لا تشمل جميع المجالات التابعة للوكالة، إذ لا تزال المساحات الخضراء بمنطقة أطاليون تحظى بالعناية والصيانة الدورية، وتحافظ على رونقها وجاذبيتها، دون أن تطالها مظاهر الإتلاف أو التدهور. تفاوت صارخ يطرح أكثر من علامة استفهام حول منطق الانتقائية في التدبير، وحول المعايير المعتمدة في توزيع مجهودات الصيانة والحفاظ على المكتسبات.

هذا التمييز غير المفهوم بين فضاءات يفترض أنها تخضع لنفس الوصاية ونفس البرامج، يعمق شعور ساكنة المدينة بالغبن، ويغذي الانطباع بأن بعض المشاريع تُنجز فقط للواجهة، فيما تُترك أخرى لمصير الإهمال، رغم أنها تشكل المتنفس البيئي الوحيد لآلاف المواطنين. وهو ما يجعل الحديث عن التنمية المستدامة وحماية المجال البيئي مجرد شعارات جوفاء، ما لم تُترجم إلى عدالة مجالية وصيانة متواصلة تحترم المال العام وحق الساكنة في فضاء حضري لائق.

ولم يكن وضع منتجع أطاليون أفضل حالًا، حيث غابت كليًا أي إشارة إلى مصير المشاريع المتوقفة به، أو تصور لإعادة إحيائه وإنهاء حالة الجمود التي باتت تميزه، رغم رمزيته وأهميته السياحية.

في المحصلة، خرجت الندوة الصحفية دون أن تجيب عن الأسئلة الجوهرية، ودون أن تقدم التزامات زمنية واضحة أو مشاريع قابلة للتتبع والتقييم. وهو ما عزز الانطباع السائد بأن وكالة مارتشيكا باتت تفضل لغة التسويق على لغة الإنجاز، والخطاب العام على الحلول الملموسة.

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة adblock

المرجوا توقيف برنامج منع الإعلانات لمواصلة التصفح