أستاذ يُعتدى عليه ومسؤولون يتفرجون…أي مستقبل للتعليم بالناظور؟

 

ريف ديا : احمد علي المرس 

 

في مدينة الناظور، حيث يفترض أن يكون التعليم خطًا أحمر لا يُمس، وقعت جريمة صادمة هزّت الضمير التربوي والإنساني معًا، بعد الاعتداء الآثم الذي استهدف أستاذ مادة الرياضيات بجماعة بني شيكر، في واقعة لا يمكن التعامل معها كخبر عابر أو حادث معزول، بل كجرس إنذار مدوٍّ يكشف هشاشة الحماية المفترضة لرجال ونساء التعليم، ويعرّي صمت بعض المسؤولين والأطر التي يفترض فيها أن تكون في الصفوف الأمامية للدفاع عن كرامة الأستاذ وهيبة المدرسة العمومية.

الاعتداء، الذي نفذه أشخاص مجهولون كانوا يمتطون سيارة تحمل ترقيمًا مغربيًا فاقدًا لأي هوية تعريفية على مستوى بنك معطيات السيارات المرقمة بمديرية التجهيز والنقل واللوجستيك التابعة لوزارة النقل، يفتح أبوابًا واسعة من الأسئلة الثقيلة والفرضيات المقلقة: كيف لسيارة “شبح” أن تجوب الطرقات دون أثر إداري؟ ومن يتحمل مسؤولية هذا الخلل الخطير؟ وهل نحن أمام مجرد صدفة إدارية أم أمام شبكة تسيّب أخطر مما يُتصور؟

إن خطورة الواقعة لا تكمن فقط في فعل الاعتداء الجسدي، بل في رمزيته العميقة، الاعتداء على أستاذ رياضيات هو اعتداء على العقل، على المدرسة، على رسالة التربية برمتها. وهو فعل شنيع يضرب في الصميم ما تبقى من هيبة الأستاذ، في وقت تتكاثر فيه الخطابات الرسمية عن “إصلاح التعليم” و“النهوض بالمدرسة العمومية”، بينما يُترك الأستاذ وحيدًا في مواجهة العنف، والتشهير، والتهديد، دون حماية حقيقية أو مواقف صلبة من بعض المسؤولين التربويين الذين يكتفون ببيانات باهتة أو صمت مريب.

وإذا كانت جماعة بني شيكر معروفة، بشهادة الجميع، بكونها منطقة مسالمة ومحافظة، ذات نسيج اجتماعي متماسك وساكنة مشهود لها بالأخلاق والاحترام، فإن كل المعطيات ترجّح فرضية أن الفاعلين غرباء عن المنطقة، تسللوا إليها محمّلين بثقافة العنف والعدوان، في محاولة دنيئة للمساس بهيبة الأستاذ وضرب الاستقرار المعنوي لأسرة التعليم. وهي فرضية تزيد من خطورة الحدث، لأنها تعني أن المدرسة أصبحت هدفًا سهلاً لمن لا يحترمون لا القيم ولا القانون.

إلى حدود كتابة هذه السطور، ما تزال الأبحاث والتحقيقات جارية، حيث باشرت عناصر الدرك الملكي بقيادة بني شيكر، بتنسيق مع السلطة المحلية، دوريات منتظمة وتحريات سرية دقيقة، في محاولة لفك خيوط هذه الجريمة التي هزّت الرأي العام المحلي. وتؤكد معطيات متطابقة أن التحقيقات تسير في اتجاه متقدم، مع وجود مؤشرات قوية على الاقتراب من تحديد الفاعل الحقيقي، في إطار تعاون مسؤول بين مختلف المتدخلين.

غير أن السؤال الجوهري يبقى معلقًا، أين كان بعض المسؤولين التربويين والإداريين قبل وقوع هذا الاعتداء؟ وأين هي خطط الوقاية وحماية الأطر التعليمية؟ ولماذا لا تتحرك بعض الجهات إلا بعد أن يسقط الأستاذ ضحية؟ إن التنديد بعد الفاجعة لا يكفي، والتعاطف اللفظي لا يرمم الكرامة المهدورة، ما لم يُقرن بإجراءات حازمة، ومحاسبة حقيقية، ومواقف شجاعة تعيد الاعتبار للأستاذ كمربٍ وصاحب رسالة، لا كهدف سهل لكل منحرف أو متربص.

إن ما وقع في بني شيكر ليس حادثًا محليًا ضيقًا، بل قضية رأي عام، تستدعي وقفة صارمة من الدولة ومؤسساتها، وتستوجب مساءلة حقيقية لكل من قصّر أو تواطأ بالصمت، لأن أمن الأستاذ هو من أمن المدرسة، وأمن المدرسة هو من أمن المجتمع بأكمله. وأي تهاون في هذا الملف هو تواطؤ غير مباشر في قتل ما تبقى من الثقة في التعليم العمومي، وفتح الباب على مصراعيه لمزيد من العنف والانفلات.

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة adblock

المرجوا توقيف برنامج منع الإعلانات لمواصلة التصفح