بانوراما رمضان (8): محمد ميرة.. حارس التراث الشفوي بالريف ومرجع الثقافة الشعبية

ريف ديا:

في زمن تتسارع فيه التحولات وتذوب فيه التفاصيل الصغيرة في زحمة الحداثة، اختار محمد ميرة أن يسير عكس التيار؛ أن ينصت لما تبقى من همس الذاكرة، وأن يجمع ما تناثر من حكايات الأجداد قبل أن يطويها النسيان. من الناظور، حيث تختلط زرقة المتوسط بصلابة الجبال، يواصل هذا الباحث شغفه بتوثيق التراث الشفهي الريفي باعتباره خزانا حقيقيا للهوية الجماعية.

ليس ميرة مجرد جامعٍ للروايات، بل هو منقب في طبقات الذاكرة الشعبية. يجالس كبار السن، يسجل شهاداتهم، يدون الأشعار والأهازيج، ويعيد ترتيب الحكايات التي تناقلتها الألسن جيلا بعد جيل. يدرك أن الريف، الذي عاش محطات تاريخية مفصلية، حفظ جزءا كبيرا من تاريخه في الصدور قبل السطور، لذلك جعل من التوثيق مهمة ثقافية تتجاوز الهواية إلى الالتزام.

ويعتبر كتابه ”الأمثال الشعبية بالريف”، الذي صدر في جزأين، مرجعا ثقافيا مهما لكل المهتمين والباحثين في الثقافة الشعبية والشفهية بالريف. ويؤكد ميرة أن هذا العمل أسس لمرحلة جديدة في التعامل مع الموروث الثقافي، الذي لولا مثل هذه المبادرات، لكان في طي النسيان رغم كونه من بين أهم الروافد الثقافية للريف. كما دعا النخبة المثقفة إلى العمل بشكل جماعي وجاد من أجل الحفاظ على هذا الموروث.

لعب ميرة دورا أساسيا في تأسيس أرضية ثقافية بالريف منذ السبعينيات، معتبرًا مؤلفه إضافة قوية للمشهد الثقافي الغني، وتتويجًا لمسار نضالي وفكري يؤمن به. ويشدّد على أن البحث في الثقافة الريفية صعب للغاية، وأن أي شعب لا يمكن أن يعيش بدون ثقافة، مؤكداً أن الأمثال الشعبية تحمل دلالات فلسفية كبيرة، وأن خصوصية الريف منحت الأمثال الشعبية طابعاً مميزاً.

ما يميز تجربة محمد ميرة هو اشتغاله الميداني القريب من الناس؛ فهو لا يكتفي بالمصادر المكتوبة، بل يفضل اللقاء المباشر، حيث تختلط الذاكرة بالعاطفة، وتنبعث التفاصيل الدقيقة من نبرة الصوت وحركة اليدين. هذا الحس التوثيقي جعله يحظى بتقدير المهتمين بالثقافة الأمازيغية والباحثين في التاريخ المحلي.

في زمن الرقمنة، يسعى ميرة إلى تحويل هذا الرصيد الشفهي إلى مادة قابلة للحفظ والنشر، إدراكًا منه أن التراث غير الموثق مهدد بالاندثار. فمشروعه ليس مجرد حفظ للماضي، بل مساهمة في بناء وعي ثقافي معاصر يستند إلى الجذور.

هكذا يواصل محمد ميرة عمله في صمت، بعيدًا عن الأضواء أحيانًا، لكنه حاضر بقوة في ذاكرة المكان، كأحد أولئك الذين آمنوا بأن حماية التراث ليست ترفاً ثقافياً، بل مسؤولية تاريخية تجاه الأجيال القادمة.

إقرا أيضا:

بانوراما رمضان (1): الوليد ميمون.. صوت الريف الذي غنّى للكرامة والهوية

بانوراما رمضان (2): سعيد مساوي.. شاعر الريف الذي اختار أن يكتب بهدوء ويصنع الأثر بصمت

بانوراما رمضان (3): فاروق أزنابط.. معلمة المسرح الأمازيغي بالريف

بانوراما رمضان (4): رشيد الناظوري.. صوت الريف الذي عزف الحياة على أوتار العود

بانوراما رمضان (5): جميل حمداوي.. موسوعِيُّ الريف ومنَظِّر القصة القصيرة جدا

بانوراما رمضان (6): سميرة المصلوحي.. الفنانة التي صعدت من خشبة المدرسة إلى نجومية الشاشة

بانوراما رمضان (7): ميلودة الحسيمية.. صوت الريف الذي نقل “كع كع يا زبيدة” الى العالمية

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى