
كمال الطالب يكتب – حكاية الخنزير الذي أحب الوحل …!
كتب / كمال الطالب
بداية سردي قصص عن الحيوانات والبداية ستكون عن قصة الخنزير اعزكم الله، في غابةٍ كانت تُدار قديمًا بقوانين صارمة، عاش خنزيرٌ سمين اعتاد لسنواتٍ أن يتجوّل بين الحيوانات وبين البشر متقلدًا دور الحارس والمنظّم. كان صوته عاليًا، وخطواته واثقة، ويُخيَّل للناظر إليه أنه صاحب شأنٍ وهيبة. غير أن ما خفي عن كثيرين، أن ذلك الخنزير لم يكن يحكم بالقيم، بل بالخوف، ولم يكن يحفظ النظام حبًّا في الغابة، بل حمايةً لوحله الخاص. مرّت السنوات، وتبدّلت الأحوال، وغادر الخنزير موقعه القديم. ظنّ الجميع أن قصته انتهت، وأن الوحل الذي اعتاد التمرّغ فيه سيبتلعه بعيدًا عن أنظار الحيوانات والبشر. لكن المفاجأة كانت حين عاد، لا حارسًا ولا منظّمًا، بل مدّعيًا الحكمة، متقمصًا دور الناصح والمرشد، محاولًا التسلل إلى مجالٍ جديد اسمه “شؤون الغابة”. كان هذا الخنزير معروفًا بين الحيوانات بسلوكه المتقلّب، وبقدرته العجيبة على تبديل جلده كلما تغيّرت الرياح، حتى صار النفاق سمةً لصيقة به، لا تفارقه كما لا يفارق الوحل جسده. يتقدّم الخنزير خطوة، ويتراجع خطوتين، يرفع شعاراتٍ لا يؤمن بها، ويتحدّث عن الصالح العام وهو لا يرى أبعد من مصلحته الضيّقة. يمدح اليوم ما يلعنه غدًا، ويهاجم من كان بالأمس سيده، في مشهدٍ لا يثير إلا الشفقة على كائنٍ فقد البوصلة، ولم يبقَ له سوى لسانٍ سليط. لم تتأخر الغابة في كشف حقيقته؛ فصار منبوذًا لدى الجميع. لا حيوان يثق به، ولا كائن يأمن جانبه. تعلمت الحيوانات أن الاقتراب منه اتساخ، وأن محاورته انحدار، وأن تجاهله هو النجاة. فالخنزير لا يعرف من فنون العيش المشترك شيئًا، ولا يفهم من السياسة إلا صخبها، لأنها تحتاج عقلًا راجحًا، وهو لا يتقن سوى لغة الوحل: الاستفزاز، القذف، ومحاولة جرّ الآخرين إلى مستوىٍ ألفه وأحبّ التمرّغ فيه.
كلما حاول أحد أن يناقشه بهدوء، سعى إلى تحويل الحوار إلى مصارعة في وحله النتن وكلما رُفض أسلوبه، اتّهم غيره بالفساد، وكأن الطين إذا عُمِّم صار طهارة. لم يحمل فكرةً واحدةً تُنقذ الغابة، ولم يقترح حلًّا يُصلح شأنها، لأن الإصلاح يحتاج إخلاصًا، وهو عملة لا يعرفها، ثم يظهر طبعه الأصيل بلا مواربة: بخلٌ فاضح. خنزيرٌ لا يعطي إلا مقابل ثمن، ولا يقدّم معروفًا إلا بحساب، حتى إن كوب ماء لا يُسقى في حضرته إلا بعد تقدير الكلفة. بخلٌ في المال، وبخلٌ في المواقف، وبخلٌ في القيم، ومن كان هذا شأنه، فكيف يُنتظر منه أن يخدم غيره أو يضحي لأجل الغابة، الأخطر من ذلك، أن الخنزير لم يحترم الدور الذي كان يشغله سابقًا، فبدأ يكشف ما لا يُكشف، ويلمح بما لا يُلمح به، ضاربًا عرض الحائط بأخلاقيات المسؤولية وأسرار الحراسة التي يفترض أنها أمانة لا تُستعمل للابتزاز ولا للانتقام نسي أن بعض الأسرار شرف، وأن خيانتها لا تصنع بطولة بل تفضح معدن صاحبها. وهنا أدركت الحيوانات والبشر أن مشكلته ليست مع أشخاص بعينهم، بل مع نفسه، ومع صورته التي تحطمت في مرآة الحقيقة. وفي ميزان القيم الذي تعرفه الغابة، هناك كائنات يُضرب بها المثل في القذارة المعنوية قبل الحسية. والخنزير رمزٌ لذلك: لا يُقترب منه، ولا يُؤكل، ولا يُتّخذ قدوة. فهو محرَّم في ميزان الطهارة، كما هو منبوذ في ميزان الأخلاق، لا لشدّة الحكم عليه، بل لثبات طبعه ورفضه مغادرة الوحل.
وقد كُتبت هذه الحكاية بأقصى ما يسمح به الأدب، وبأكثر ما تحتمله الرمزية، لأن الحقيقة إذا قيلت مجرّدة كانت أقسى. ومع ذلك، فالمغزى واضح لمن أراد أن يفهم: الغابة لا تُدار بالنفاق، ولا تُبنى بالبخل، ولا تُقاد بمن لا يرى العالم إلا من مستوى الطين. وفي الأخر اقول لخنزير البري أو الخنزير الداجن من لم يفهم لغة الحوار، ولم يتقن فن الاختلاف، فلن يحصد إلا العزلة. راجع نفسك قبل أن تُجبر الغابة على فتح دفاترها، فبعض الصفحات إن فُتحت لا تُغلق، وبعض الحقائق إذا خرجت، لم تُبقِ لك حتى الوحل ملجأ .






