مارتشيكا وإعدام ما تبقى من جماعة أركمان!

ريف ديا – أركمان

ليست كل وثيقة تحمل صفة “التهيئة” تستحق أن تُقابل بالتصفيق، وبعض التصاميم، حين تُنزل على الأرض، لا تُنظم المجال بقدر ما تكشف طريقة التفكير التي تحكم المجال نفسه، وهذا هو جوهر المشكلة اليوم في جماعة قرية أركمان بإقليم الناظور، بعد عرض تصميم التهيئة الجديد الذي خرج إلى الساكنة كأنه قرار جاهز أكثر منه مشروعا قابلا للنقاش والتعديل.

القرار، في صورته الحالية، لا يبدو مجرد خطأ تقني في القراءة العمرانية، بل في نظر كثير من (المتضررين)، محاولة لإعادة الجماعة إلى زمن انتهى منذ عقود، وكأن كل ما وقع فوق هذه الأرض من عمران وسكن واستقرار واستثمار لم يحدث قط.

ما الذي يحدث عندما تُصنف أحياء عمرانية قائمة، مأهولة، كثيفة، وصرفت عليها أموال عمومية في التأهيل، باعتبارها -في تصميم التهيئة الجديد- أراضي فلاحية ومناطق رطبة؟ الجواب لا يحتاج إلى كثير من الشرح، أنت هنا لا تنظّم المجال، بل أنت تعطل حياة الناس، تمنع البناء، تغلق باب الاستثمار، تشل أي إمكانية لتسوية الوضعيات القانونية، وتحوّل المواطن، وهو في بيته، إلى متهم يحتاج إلى إذن دائم كي يثبت حقه في المكان الذي يعيش فيه منذ سنوات.

تعاونية الفتح وما جاورها من الأحياء العمرانية ليست رقعة فارغة على الخريطة، هناك مئات من المنازل القائمة، هناك أزقة وشوارع وأرصفة… هناك أسر بنت وجودها بالصبر، لا بالشعارات، وهناك واقع عمراني تشكل ببطء على إمتداد عشرات السنوات، ثم جاء من يطالبه اليوم بأن يتراجع إلى الوراء باسم التخطيط والتهيئة.

هذه ليست تهيئة يا سيدة لبنى، هذه مصادرة رمزية للواقع، وهذه أخطر من أي خطأ إداري عابر، لأنها تمنح القانون غطاء لفرض الجمود على مجتمع يريد أن يتنفس.

الأدهى من كل ذلك أن هذا التصميم لم يأت ليحل إشكال الأسر التي تعيش في ظل الملكية المشتركة، بل زادها تعقيدا، فأكثر من 2200 أسرة وجدت نفسها اليوم أمام ورقة رسمية لا تعترف بتطلعاتها، بل تنقلب عليها، هذه الأسر كانت تنتظر من الوثيقة الجديدة أن تفتح بابا نحو التسوية، نحو الملكية الفردية، نحو تحفيظ ممتلكاتها، نحو استقرار قانوني طال انتظاره، لكن ما الذي حدث؟ حدث العكس تماما، صدمة جماعية، إحباط واسع، وإحساس ثقيل بأن سنوات الانتظار لم تكن سوى مقدمة لخيبة جديدة.

ثم هناك العبث الإجرائي، كيف لتصميم عمر سنوات من الدراسة والتحضير أن يُعرض على الساكنة في أربعة أسابيع فقط؟ أربعة أسابيع ليست زمنا كافيا لفهم وثيقة معقدة، فضلا عن مناقشتها والاعتراض عليها… فكيف إذا تعلق الأمر بأسر كثيرة يقيم جزء مهم منها بالخارج؟ كيف يصلهم الخبر أصلا؟ وكيف يفهمون أثر ما قُدم لهم؟ وكيف يعترضون على شيء لم يُشرح لهم شرحا كاملا وواضحا؟ هنا يصبح الحق في الملاحظات حقا نظريا أكثر منه ممارسة فعلية.

وإذا أضفنا إلى هذا كله أن الوثيقة قُدمت باللغة الفرنسية وحدها وبرموز لا يفقهها ويفهمها إلا من درس الهندسة، فإن الصورة تزداد قتامة، العربية والأمازيغية يا سيدة لبنى بوطالب هما لغتا الدستور، غُيبتا كما لو أنهما عنصران زائدان لا حاجة إليهما، أي معنى للمشاركة إذا كان المتلقي الأول لا يفهم الوثيقة بلغته؟ وأي احترام للساكنة إذا قُدمت لها خريطة مصيرية بلغة لا تخاطبها؟ ليست اللغة هنا تفصيلا شكليا، بل هي مفتاح الفهم، ومفتاح الاعتراض، ومفتاح العدالة الإجرائية، وحين تغلق الباب اللغوي، أنت لا تنظم النقاش، بل تتحكم في نتائجه مسبقا.

المسألة، في عمقها، ليست فقط مسألة وكالة أو تصميم أو آجال… إنها مسألة رؤية، هل ترى الجهة المسؤولة أركمان باعتبارها جماعة حية لها تاريخ اجتماعي وعمراني واقتصادي، أم باعتبارها رقعة ينبغي ضبطها من فوق، ولو اقتضى ذلك كسر علاقتها بمستقبلها؟ هذا هو السؤال الحقيقي، أما التعمير، حين يفقد صلته بالناس، يتحول إلى أداة فرز يميز بين من يملك القوة على الفهم والاعتراض، ومن يظل حبيس الصمت والارتباك.

أين المنتخبون؟ أين المجلس الجماعي؟ أين من يفترض أنهم يمثلون الناس لا أن يراقبوا من بعيد ما يُرسم لمصير جماعتهم؟ الصمت هنا ليس موقفا محايدا بل انحيازا إلى القرار الأقوى، وتنازل عن الدور الطبيعي للمنتخب الذي يفترض أن يترافع، أن يفاوض، أن يشرح، أن يضغط، وأن يمنع تكرار أخطاء من هذا الحجم، حين يغيب هذا الترافع، يحضر الإقصاء، وحين يغيب الصوت المحلي، تصبح الجماعة مكشوفة أمام أي قراءة فوقية.

المطلوب اليوم ليس بيانات تهدئة ولا عبارات مطمئنة، بل المطلوب مراجعة جذرية وفتح حوار حقيقي مع الساكنة وتمديد الآجال بما يسمح بالاطلاع والفهم والمراجعة وتقديم الوثيقة بلغات يفهمها الناس… ومطلوب، قبل كل شيء، الاعتراف بأن المجال تغير، وأن الورق لا يحق له أن ينتقم من الواقع.

أركمان لا تحتاج إلى تصميم يختنق داخله الناس، بل تحتاج إلى وثيقة تنصف الحاضر وتعترف بالمتحول وتؤسس لمستقبل قابل للحياة، وما لم يحدث ذلك، فإن ما يسمى اليوم “تهيئة” سيُقرأ غدا باعتباره قرارا آخر من قرارات الإعدام البطيء الذي يطال الجماعات حين تُترك وحدها أمام خرائط لا تعرفها ولا تعترف بها.

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى