
تحليل: الناظور يراهن على الإدارة الرقمية.. تقليص الآجال وتعزيز الشفافية في منح الرخص
ريف ديا – جواد بودادح
يعكس تصدر إقليم الناظور على مستوى جهة الشرق في معالجة ملفات الرخص عبر منصة “Rokhas.ma” تحولا بنيوياً في فلسفة تدبير الإدارة العمومية، وانتقالها من منطق المساطر المعقدة والبطيئة إلى نموذج قائم على النجاعة والسرعة والشفافية. ولا يتعلق الأمر هنا بمجرد مؤشر رقمي ظرفي، بل بمحصلة مسار إصلاحي تتداخل فيه أبعاد قانونية وتنظيمية وتكنولوجية، تؤشر مجتمعة على إعادة صياغة علاقة الإدارة بالمواطن والمستثمر.
أول ما يلفت الانتباه في هذا السياق هو البعد الاستراتيجي للرقمنة كأداة لتبسيط المساطر. فاعتماد منصة “Rokhas.ma” لم يقتصر على رقمنة الوثائق أو نقل الإجراءات إلى وسيط إلكتروني، بل أسهم في إعادة هيكلة مسار معالجة الطلبات، عبر توحيد قنوات الإيداع، وتقليص عدد المتدخلين، وضبط آجال البت، وهو ما حدّ من مظاهر التشتت الإداري التي كانت تميز هذا النوع من الخدمات. وبهذا المعنى، فإن الرقمنة هنا تمثل رافعة لإصلاح أعمق يتجاوز البعد التقني إلى إرساء حكامة جديدة في تدبير الرخص.
ثاني الأبعاد يتمثل في الأثر المباشر لهذا التحول على مناخ الأعمال. فتسريع معالجة طلبات الرخص الاقتصادية والتعمير يعد عاملاً حاسماً في جذب الاستثمارات، خاصة في المجالات المرتبطة بالبناء والخدمات والتجارة. إذ أن تقليص الزمن الإداري ينعكس بشكل مباشر على كلفة الاستثمار، ويمنح الفاعلين الاقتصاديين رؤية أوضح حول آجال إنجاز مشاريعهم. كما أن الشفافية التي توفرها المنصة الرقمية، من خلال إمكانية تتبع الملفات، تحد من هامش عدم اليقين، وهو عنصر أساسي في اتخاذ القرار الاستثماري.
غير أن هذا الأداء الإيجابي لا يمكن قراءته بمعزل عن دور القيادة الترابية في توجيه وتنسيق عمل المصالح المعنية. وفي هذا الإطار، يبرز الدور المحوري الذي يقوم به عامل إقليم الناظور، جمال الشعراني، من خلال تبني مقاربة تدبيرية قائمة على الالتقائية والصرامة في احترام الآجال. فقد ساهمت توجيهاته في تعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين—من جماعات ترابية، ومصالح خارجية، ووكالات حضرية—وهو ما مكّن من تجاوز الاختلالات التقليدية المرتبطة بتعدد المتدخلين وتضارب الاختصاصات. كما أن الحرص على تتبع أداء هذه المصالح بشكل دوري أضفى طابعاً عملياً على مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.
من زاوية قانونية، يندرج هذا التحول في سياق تفعيل القانون رقم 55.19 المتعلق بتبسيط المساطر والإجراءات الإدارية، والذي يشكل إطاراً مرجعياً لإعادة تنظيم العلاقة بين الإدارة والمرتفقين. إذ يفرض هذا القانون تحديد آجال قصوى للرد على الطلبات، واعتبار سكوت الإدارة بمثابة موافقة في بعض الحالات، فضلاً عن إلزامية تعليل القرارات السلبية. وتبدو تجربة الناظور نموذجاً تطبيقياً لهذه المقتضيات، حيث تم تحويل النص القانوني إلى ممارسة إدارية ملموسة.
ومع ذلك، فإن هذا المسار لا يخلو من تحديات موضوعية. فالرقمنة، رغم أهميتها، تظل رهينة بمدى جاهزية البنية التحتية الرقمية، وكفاءة الموارد البشرية، وقدرة المرتفقين أنفسهم على التكيف مع الأنظمة الجديدة. كما أن ضمان استدامة هذا الأداء يتطلب مواصلة الاستثمار في التكوين، وتحيين الأنظمة المعلوماتية، وتعزيز آليات المراقبة والتقييم.
في المقابل، تكتسب هذه الدينامية أهمية مضاعفة بالنظر إلى السياق التنموي الذي يعرفه الإقليم، خاصة مع اقتراب إطلاق مشاريع استراتيجية كبرى، على رأسها ميناء الناظور غرب المتوسط. فمثل هذه المشاريع تفرض وجود إدارة قادرة على مواكبة حجم الطلبات وتسريع وتيرة الترخيص، بما يتلاءم مع إيقاع الاستثمار الدولي ومتطلباته. ومن ثم، فإن تحسين أداء منظومة الرخص لا يعد خياراً تقنياً فحسب، بل ضرورة اقتصادية تفرضها رهانات التنافسية الترابية.
خلاصة القول، إن تصدر إقليم الناظور في مجال رقمنة ومعالجة الرخص يعكس تلاقي إرادة الإصلاح مع فعالية التنفيذ، ويبرز كيف يمكن للرقمنة، حين تقترن بحكامة جيدة وتنسيق مؤسساتي محكم، أن تتحول إلى أداة حقيقية للتنمية. غير أن الحفاظ على هذا المكتسب يظل رهيناً باستمرار نفس الزخم الإصلاحي، وتوسيع نطاقه ليشمل مجالات أخرى من الخدمات العمومية، في أفق بناء إدارة حديثة تستجيب لتحديات المرحلة وتواكب طموحات الإقليم.






