“1000 إزري من الريف”.. حين تتحول الذاكرة الشفوية إلى أرشيف حي لهوية لا تموت

ريف ديا – يوسف الريفي

في خطوة ثقافية لافتة تعكس عمق الاهتمام بالتراث الأمازيغي الريفي، يرى النور مؤلف جديد للكاتب والمسرحي أحمد زاهد يحمل عنوان “1000 إزري من الريف”، وهو عمل يتجاوز حدود الجمع والتوثيق ليؤسس لرؤية متكاملة حول صون الذاكرة الشفوية وإعادة الاعتبار لفن “الإزران” باعتباره أحد أرقى أشكال التعبير الشعري في الثقافة الريفية.

هذا الإصدار لا يكتفي بتجميع نصوص متناثرة من الذاكرة الشعبية، بل يعيد بناء سياقاتها التاريخية والاجتماعية، مستحضرا أكثر من قرن من التحولات التي عرفها المجتمع الريفي. فـ “الإزري” هنا لا يقدم كبيت شعري معزول، بل كوثيقة إنسانية تنبض بالحياة، تحكي عن الهجرة، والحنين، والفقد، كما تستحضر لحظات الفرح والمقاومة والصمود.

ويكتسب هذا العمل أهميته من اعتماده على رصيد غني ومتعدد المصادر، حيث يستحضر أصوات عشرات الفنانين والفنانات الذين أسهموا في تشكيل هذا الموروث، إلى جانب العودة إلى أرشيف مكتوب متنوع، ما يمنحه بعدا علميا وأكاديميا يعزز مكانته كمرجع في الدراسات الثقافية الأمازيغية.

ومن بين الجوانب اللافتة في هذا المؤلّف، اعتماده ثلاثة أنظمة كتابية لتقديم نصوص الإزران: العربية، واللاتينية، وتيفيناغ، في مقاربة منفتحة تروم توسيع دائرة القراء وتيسير الولوج إلى هذا التراث بمختلف خلفياتهم اللغوية. كما يرفق الكاتب نصوصه بشروح وتفكيكات دلالية تتيح فهما أعمق لمضامينها، وتكشف عن الرمزية التي تختزنها هذه الأشعار.

ويولي الكتاب اهتماما خاصا لإزران الهجرة، باعتبارها مرآة صادقة لتجربة إنسانية عميقة طبعت تاريخ الريف، سواء في سياق الحروب أو البحث عن لقمة العيش أو الاغتراب القسري. وهو ما يمنح العمل بعدا أنثروبولوجيا يلامس قضايا الهوية والانتماء والتحولات الاجتماعية.

في المحصلة، يقدم “1000 إزري من الريف” نفسه كمشروع ثقافي متكامل، لا يهدف فقط إلى حفظ التراث، بل يسعى إلى إحيائه وإدماجه في النقاش الثقافي المعاصر. إنه جسر بين الماضي والحاضر، بين الذاكرة والكتابة، وبين الشفوي والمؤرشف، في زمن تزداد فيه الحاجة إلى حماية ما تبقى من ملامح الهوية الأصيلة.

وبهذا المعنى، فإن هذا الإصدار يشكل إضافة نوعية للمكتبة الأمازيغية، وخطوة أخرى في مسار طويل نحو تثمين الثقافة الريفية وإبراز غناها وتعدد تجلياتها، في أفق نقلها إلى الأجيال القادمة كإرث حي لا ينضب.

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى