سبتة ومليلية في قلب التوترات الدولية.. هل تتحولان إلى ورقة ضغط بين واشنطن ومدريد؟

ريف ديا – يوسف الريفي

عاد ملف سبتة ومليلية إلى واجهة النقاش الدولي في سياق دبلوماسي متوتر بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسبانيا، ما يطرح تساؤلات متجددة حول إمكانية توظيف هذا الملف التاريخي كورقة ضغط ضمن توازنات سياسية أوسع تتجاوز الإطار الثنائي بين الرباط ومدريد.

وتغذي هذا الجدل سلسلة من المؤشرات المتقاطعة، من بينها مواقف صادرة عن شخصيات أمريكية وتقارير إعلامية غربية، إضافة إلى مضامين تقرير حديث داخل الكونغرس الأمريكي، أعاد توصيف المدينتين باعتبارهما موضوع مطالبة تاريخية من طرف المغرب، مع الإشارة إلى أهمية دعم المساعي الدبلوماسية بين الرباط ومدريد بشأن مستقبلهما.

في خلفية هذه التطورات، يبرز التوتر القائم بين واشنطن ومدريد، والذي يعزى إلى تباين مواقف الطرفين بشأن قضايا دولية حساسة، خاصة في ما يتعلق بالسياسات العسكرية في الشرق الأوسط. هذا التباين انعكس على مستوى التنسيق الدفاعي، وأعاد إلى الواجهة خلافات داخل حلف شمال الأطلسي، ما خلق مناخا قابلا لتبادل رسائل الضغط غير المباشرة.

ويرى متتبعون أن إثارة ملف سبتة ومليلية في هذا الظرف لا يمكن فصله عن هذا السياق المتوتر، حيث يستحضر كأحد الملفات القابلة للتوظيف السياسي، دون أن يعني ذلك بالضرورة حدوث تحول جذري في الموقف الرسمي للولايات المتحدة تجاه وضع المدينتين.

في المقابل، يواصل المغرب التمسك بمقاربة دبلوماسية هادئة في تدبير هذا الملف، قائمة على الحوار الثنائي مع إسبانيا، بعيدا عن منطق التصعيد. هذه المقاربة، التي ترتكز على مبادئ حسن الجوار والمصالح المشتركة، تحظى، وفق تقديرات عدد من المحللين، بدعم متزايد داخل بعض الدوائر الدولية التي ترى في الحل التفاوضي الخيار الأكثر واقعية واستدامة.

كما أن الإشارات الصادرة عن مؤسسات أمريكية بخصوص تشجيع الحوار بين الرباط ومدريد تُفهم، في هذا السياق، كاعتراف ضمني بأولوية المسار الدبلوماسي الذي يتبناه المغرب، دون أن ترقى إلى مستوى تبني موقف سياسي صريح يعيد رسم ملامح هذا النزاع.

وفي ظل تشابك المصالح بين المغرب وإسبانيا، خاصة في مجالات الأمن والهجرة والتعاون الاقتصادي، يبقى من الصعب تصور معالجة هذا الملف خارج منطق التفاهم المشترك، مهما بلغت حدة التوترات الظرفية. إذ أبانت التجربة أن العلاقات بين البلدين قادرة على استيعاب الخلافات، مع الحفاظ على قنوات الحوار مفتوحة.

بناء على ذلك، يبدو أن طرح ملف سبتة ومليلية في هذا التوقيت يمنح المغرب هامشا دبلوماسيا إضافيا على المستوى الدولي، ويعيد تسليط الضوء على قضية ظلت لعقود حبيسة التعقيدات التاريخية، لكنها اليوم تدخل مرحلة جديدة من النقاش، تتقاطع فيها الاعتبارات الجيوسياسية مع رهانات الشراكة الإقليمية.

وبين احتمالات التوظيف السياسي وحدود التحول الفعلي في المواقف الدولية، يظل مستقبل المدينتين رهينا بقدرة الأطراف المعنية على تغليب منطق الحوار، في سياق دولي يتسم بتغير سريع في موازين القوى والتحالفات.

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى