متحف عبد الرزاق لوكيلي بالدريوش… ذاكرة حية تعيد رسم تاريخ المنطقة وتفتح أبواب الزمن للزائرين

ريف ديا – يوسف الريفي

في قلب دوار بني وكيل بجماعة امطالسة بإقليم الدريوش، يبرز متحف عبد الرزاق لوكيلي كأحد أبرز الفضاءات التراثية الخاصة بالجهة الشرقية، حيث يتحول المكان إلى رحلة مفتوحة في عمق الذاكرة الجماعية، وإلى منصة حية لحفظ ملامح التاريخ المحلي وصون مكوناته من الاندثار.

يمتد هذا الصرح الثقافي على مساحة تفوق خمسة آلاف متر مربع، ليقدم تجربة فريدة للزائر، تجمع بين متعة الاكتشاف وغنى التنوع الحضاري، في مشهد يعكس حرصا واضحا على تثمين التراث المادي واللامادي، وترسيخ قيم الانتماء لدى الأجيال الصاعدة.

ويضم المتحف بين أروقته آلاف القطع النادرة التي توثق لمراحل مختلفة من تاريخ الإنسان والأشياء، من بينها سيارات ودراجات تعود لحقب متباينة، بعضها يحمل بصمات تاريخية لافتة، مثل دراجة عسكرية استخدمت خلال الحرب العالمية الثانية، في إشارة إلى التحولات التي عرفتها وسائل النقل عبر الزمن.

كما يحتضن الفضاء مجموعة مميزة من الأجهزة القديمة، أبرزها أجهزة مذياع يعود بعضها إلى بدايات القرن العشرين، إلى جانب آلات تصوير كلاسيكية وساعات دقيقة الصنع تعكس مستوى تطور الحرف التقليدية في الماضي، فضلا عن محرك ضخم كان يُستعمل لتوليد الكهرباء في فترات سابقة كأحد مصادر الطاقة الأساسية بالمنطقة.

ولا يقتصر المتحف على المعروضات التقنية، بل يمتد ليشمل أروقة غنية بالفنون والتراث الحربي والفلاحي، حيث تعرض آلات موسيقية تقليدية، من بينها “الهجهوج”، إلى جانب بيانو نادر يعود إلى القرن التاسع عشر، فضلا عن أدوات حربية قديمة توثق لحقب تاريخية بعيدة، وأدوات فلاحية تحكي قصة ارتباط الإنسان المغربي بأرضه وسبل عيشه.

وفي جانب آخر، يخصص المتحف حيزا مهما للأواني المنزلية التقليدية المصنوعة من الفخار والنحاس، إضافة إلى ألبسة وحلي أمازيغية فضية تعكس غنى الهوية المحلية وتنوعها الثقافي، في مسعى واضح للحفاظ على هذه الموروثات من الضياع وإعادة تقديمها في سياقها التاريخي والجمالي.

كما يضم هذا الفضاء الثقافي خزانة وثائقية مهمة تحتوي على مخطوطات وصور نادرة ومسكوكات وطوابع بريدية، ما يجعله مرجعا مفتوحا للباحثين والمهتمين بتاريخ المنطقة وتطوراتها الاجتماعية والثقافية.

وفي تصريح يعكس روح هذا المشروع، أوضح عبد الرزاق لوكيلي، مؤسس المتحف، أن هذا الفضاء يحتضن أكثر من 15 ألف قطعة أثرية ونادرة، بعضها يعود إلى القرن السابع عشر، مشيرا إلى أن جمع هذه الكنوز تم عبر سنوات طويلة من البحث والترحال داخل المغرب وخارجه، بما في ذلك أسواق أوروبية وإفريقية.

وأضاف أن هذا المشروع، الذي انطلق كهواية موروثة عن والده قبل نحو ثلاثة عقود، تحول تدريجيا إلى مؤسسة متحفية قائمة الذات، تستقبل الزوار والباحثين وتفتح أمامهم أبواب التاريخ على مصراعيه.

من جانبه، اعتبر الباحث في التاريخ المحلي اليزيد الدريوش أن هذا المتحف يشكل تجربة فريدة تتيح للزائر السفر عبر الزمن، من خلال سرد بصري حي يعيد تركيب تفاصيل الحياة اليومية للأجداد، مؤكدا أن هذا الفضاء يسهم في تنشيط الحركة الثقافية وتعزيز جاذبية الإقليم على المستوى السياحي.

وبين الماضي والحاضر، ينجح متحف عبد الرزاق لوكيلي في تقديم نفسه كجسر ثقافي حي، يربط الذاكرة المحلية بمستقبلها، ويجعل من حفظ التراث مسؤولية جماعية تتجاوز حدود العرض إلى بناء الوعي بالهوية والانتماء.

اترك تعليق

زر الذهاب إلى الأعلى