
أحكيم في تدوينة نارية: لوبيات محلية تُفشل الإقلاع الاقتصادي بالناظور
ريف ديا – يوسف الريفي
أعادت النائبة البرلمانية وعضوة مجلسي جماعة الناظور وجهة الشرق سابقا، ليلى أحكيم، الحديث المتواتر حول واقع الاستثمار المحلي، وتأثير “لوبيات” على القرار الرسمي المحلي في تدبير هذا القطاع الحيوي، حيث وضعته في واجهة النقاش العمومي، من خلال تدوينة نارية سلطت فيها الضوء على ما وصفته بـ”هيمنة لوبيات المصالح والبارونات” على جزء من المشهد الاقتصادي المحلي، وتحويل المدينة إلى فضاء مغلق يخضع لمنطق النفوذ والاحتكار، بدل أن يكون أرضا مفتوحة للتنافس الحر وجذب الرساميل.
تدوينة أحكيم لم تكن مجرد انتقاد عابر، بل جاءت كتشخيص سياسي واقتصادي مباشر لأزمة صامتة تنخر مناخ الأعمال بالناظور. أزمة عنوانها الأبرز، وفق مضمون التدوينة، هو التضييق الممنهج على المستثمرين، وخلق عراقيل إدارية وضغوط غير معلنة تستهدف كل مشروع لا يتحرك داخل دائرة المصالح الضيقة لبعض المتنفذين.
وتشير المعطيات التي أثارتها البرلمانية السابقة إلى أن عددا من المستثمرين، سواء من أبناء المنطقة أو من المستثمرين الأجانب، باتوا يصطدمون بسلسلة طويلة من العراقيل تبدأ من تعقيد المساطر الإدارية، ولا تنتهي عند الضغوط التي تُمارس في الكواليس على الإدارات والمؤسسات والمنتخبين، بهدف تعطيل مشاريع أو تجميد رخص أو دفع أصحابها إلى التراجع بصمت.
الأخطر في هذا الوضع، أن الجهات المفترض فيها تشجيع الاستثمار وحماية المبادرات الاقتصادية (جماعة الناظور مثلا)، أصبحت في بعض الحالات جزءا من الأزمة، إما خوفا من مراكز النفوذ، أو خضوعا لحسابات سياسية واقتصادية معروفة داخل المدينة. وهكذا يجد المستثمر نفسه في مواجهة منظومة غير معلنة، ترفع شعارات التنمية في العلن، لكنها تمارس الإقصاء في الخفاء.
وفي الوقت الذي تسابق فيه مدن مغربية أخرى الزمن لتوفير بيئة جاذبة للأعمال والاستثمارات، تبدو الناظور، بحسب ما جاء في تدوينة أحكيم، وكأنها تعيش بمنطق اقتصادي قديم يقوم على حماية الامتيازات ورفض المنافسة. فبعض “البارونات” التي راكمت نفوذها لسنوات، تنظر إلى أي استثمار جديد باعتباره تهديدا مباشرا لمصالحها، وليس فرصة لتنشيط الاقتصاد المحلي وخلق مناصب الشغل.
المفارقة الصادمة أن هذه العراقيل تأتي في لحظة تاريخية حساسة، يفترض أن تكون فيها الناظور أمام فرصة غير مسبوقة للتحول إلى منصة اقتصادية كبرى بفضل ميناء “الناظور غرب المتوسط”، المشروع الذي يُقدَّم كأحد أكبر الأوراش الاستراتيجية بالمملكة. غير أن البنية التحتية وحدها لا تكفي لصناعة التنمية، إذا ظل مناخ الأعمال محكوما بعقلية الإقصاء والهيمنة والاحتكار.
وتطرح ليلى أحكيم من خلال تدوينتها أسئلة ثقيلة حول الجهات المستفيدة من إبقاء المدينة رهينة لهذا الواقع، متسائلة عن أسباب استمرار هروب الرساميل والكفاءات نحو مدن أخرى توفر الحد الأدنى من الثقة والوضوح واحترام القانون.
فالنتيجة اليوم أصبحت واضحة: مشاريع تتعطل، ومستثمرون يغادرون، وفرص شغل تضيع، فيما تستمر نفس الوجوه في تسويق خطاب التنمية دون امتلاك الجرأة السياسية للاعتراف بأن جزءا كبيرا من أزمة الناظور سببه الداخلي، وترتبط جذوره بلوبيات لا تريد للمدينة أن تتحرر اقتصاديا.
إن ما تعيشه الناظور لم يعد مجرد اختلال إداري عابر، بل تحول إلى معضلة تنموية حقيقية تهدد مستقبل المنطقة بأكملها. فحين يشعر المستثمر بأن نجاح مشروعه قد يتحول إلى مصدر استهداف ومحاربة، وحين تصبح شبكة العلاقات والنفوذ أهم من القانون وتكافؤ الفرص، فإن الرسالة تكون مدمرة لأي دينامية اقتصادية محتملة.
الناظور اليوم لا تحتاج فقط إلى موانئ وطرق ومشاريع عملاقة، بل تحتاج قبل كل شيء إلى قرار واضح بتحرير الاستثمار من قبضة المصالح الضيقة، وفرض سلطة القانون، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وخلق بيئة اقتصادية يشعر فيها المستثمر بالأمان بدل الخوف، وبالثقة بدل الارتياب.
أما استمرار الصمت أمام هذا الواقع، فلن يؤدي إلا إلى تكريس صورة مدينة تطرد المستثمرين بدل أن تستقطبهم، وتُحارب فيها المبادرات بدل أن تُحتضن، وهي صورة خطيرة على حاضر الناظور ومستقبلها الاقتصادي.






