الجهة الشرقية تفرض حضورها اقتصاديا في 2024.. نمو يفوق المعدل الوطني واستهلاك فردي يعكس دينامية اقتصادية متجددة
ريف ديا – يوسف الريفي
رغم استمرار تمركز الثقل الاقتصادي والاستهلاكي في عدد محدود من جهات المملكة، تكشف الحسابات الجهوية لسنة 2024 الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط عن مؤشرات إيجابية تستحق التوقف عندها في الجهة الشرقية، التي استطاعت أن تسجل أداء اقتصاديا يفوق المعدل الوطني، مؤكدة بداية مرحلة جديدة من استعادة الدينامية بعد سنوات اتسمت بتحديات اقتصادية متراكمة.
فقد حققت الجهة الشرقية معدل نمو بلغ 5,9 في المائة، متجاوزة المعدل الوطني المحدد في 4,4 في المائة، لتحتل المرتبة الخامسة وطنيا ضمن الجهات الأكثر نموا. والأهم من الرقم نفسه هو طبيعة هذا النمو، إذ تعزوه المندوبية إلى استئناف الأنشطة الصناعية والخدماتية، وهو ما يعكس عودة تدريجية لعجلة الاستثمار والإنتاج داخل الجهة، بعد فترة تأثرت خلالها المنطقة بإغلاق المعابر الحدودية وتراجع بعض الأنشطة التجارية التقليدية.
وتحمل هذه المعطيات دلالات اقتصادية مهمة، إذ إن اعتماد النمو على الصناعة والخدمات يجعل الجهة أقل ارتباطا بتقلبات القطاع الفلاحي، وأكثر قدرة على بناء اقتصاد متنوع وقادر على خلق فرص الشغل وتحقيق قيمة مضافة مستدامة. كما يعزز ذلك الرهانات المرتبطة بالمشاريع الكبرى التي تشهدها المنطقة، وفي مقدمتها ميناء الناظور غرب المتوسط، إلى جانب مشاريع البنيات التحتية واللوجستيك والاستثمارات الصناعية المنتظرة.
وفي جانب آخر، تكشف الأرقام الخاصة بالاستهلاك عن مؤشر لا يقل أهمية. فرغم أن الجهة الشرقية لا تعد من أكبر الجهات من حيث الحجم الإجمالي لنفقات الأسر، فإن متوسط الإنفاق السنوي للفرد بلغ 27.805 دراهم، وهو رقم يفوق المتوسط الوطني المحدد في 25.664 درهما، لتحتل الجهة المرتبة الثالثة وطنيا في هذا المؤشر.
ويعكس هذا المستوى من الاستهلاك قدرة شرائية أفضل مقارنة بعدد من الجهات، كما يشير إلى وجود حركية اقتصادية داخلية تساهم في تنشيط الأسواق المحلية ودعم قطاع الخدمات والتجارة، حتى وإن ظلت الجهة بعيدة عن مراكز الاستهلاك الكبرى التي تستحوذ عليها جهات مثل الدار البيضاء-سطات والرباط-سلا-القنيطرة.
غير أن القراءة النقدية لهذه المؤشرات تفرض قدرا من الواقعية. فالنمو الاقتصادي، رغم أهميته، لا يعني بالضرورة أن مختلف أقاليم الجهة تستفيد بالوتيرة نفسها، كما أن تجاوز المعدل الوطني لا يخفي استمرار تحديات مرتبطة بالتشغيل وجذب الاستثمار وتقليص الفوارق المجالية بين المدن الكبرى والمناطق الأقل استفادة.
كما أن المندوبية سجلت اتساع الفوارق الجهوية في الاستهلاك، وهو ما يؤكد أن التنمية لا تزال مركزة في عدد محدود من الجهات، الأمر الذي يفرض على الجهة الشرقية مواصلة استثمار الزخم الحالي وتحويل مؤشرات النمو إلى مشاريع ملموسة تخلق فرص العمل وتحسن مستوى العيش.
في المحصلة، تؤكد أرقام سنة 2024 أن الجهة الشرقية بدأت تستعيد موقعها ضمن الجهات الأكثر دينامية بالمملكة، مستفيدة من انتعاش الصناعة والخدمات وارتفاع مستوى الاستهلاك الفردي. غير أن الرهان الحقيقي خلال السنوات المقبلة لن يكون فقط الحفاظ على هذا الإيقاع، بل تحويله إلى تنمية اقتصادية شاملة يشعر المواطن بآثارها في التشغيل والدخل وجودة الخدمات، بما يرسخ مكانة الجهة كأحد الأقطاب الاقتصادية الصاعدة في المغرب.






