
الذكرى الـ27 لعيد العرش.. 27 سنة من التحولات الكبرى ترسخ مكانة المغرب كقوة صاعدة برؤية ملكية متبصرة
ريف ديا – يوسف الريفي
في كل سنة، يشكل عيد العرش المجيد أكثر من مجرد مناسبة وطنية للاحتفال؛ فهو محطة لاستحضار مسيرة وطن، وقراءة حصيلة أوراش كبرى، واستشراف آفاق المستقبل. وتحل الذكرى السابعة والعشرون لتربع صاحب الجلالة الملك محمد السادس على عرش أسلافه المنعمين، والمغرب يقف اليوم على مشارف مرحلة جديدة من التنمية، بعدما نجح خلال أكثر من ربع قرن في إرساء نموذج إصلاحي متدرج، يجمع بين الاستقرار السياسي، والتحديث الاقتصادي، والعدالة الاجتماعية، والانفتاح على العالم.
فمنذ اعتلاء جلالة الملك العرش سنة 1999، دخلت المملكة المغربية دينامية إصلاحية غير مسبوقة، شملت مختلف القطاعات الحيوية، وأسست لتحول عميق في بنية الدولة والاقتصاد والمجتمع، وفق رؤية استراتيجية بعيدة المدى جعلت من الإنسان محور التنمية، ومن الاستثمار في البنيات التحتية والرأسمال البشري والحكامة الحديثة ركيزة لبناء مغرب المستقبل.
اقتصاد أكثر تنافسية ومنجزات هيكلية غير مسبوقة
على امتداد سبعة وعشرين عاما، انتقل المغرب من نموذج اقتصادي تقليدي إلى اقتصاد أكثر تنوعا وانفتاحا وتنافسية، بفضل إطلاق استراتيجيات قطاعية كبرى في الصناعة والفلاحة والطاقات المتجددة واللوجستيك، وهو ما جعل المملكة تتبوأ مكانة ريادية قاريا في صناعات السيارات والطيران والصناعات التحويلية.
كما شكلت المشاريع المهيكلة الكبرى، من قبيل ميناء طنجة المتوسط، والقطار فائق السرعة “البراق”، وشبكات الطرق السيارة، والمناطق الصناعية واللوجستية، رافعة حقيقية لتعزيز جاذبية المغرب الاستثمارية وربطه بالأسواق العالمية، فيما تواصل المملكة تنفيذ مشاريع استراتيجية جديدة استعدادا لاستحقاقات كبرى، أبرزها احتضان كأس العالم 2030.
دولة اجتماعية تضع المواطن في صلب الإصلاح
وبالتوازي مع الإصلاح الاقتصادي، شهد المغرب توسعا غير مسبوق في الأوراش الاجتماعية، من خلال تعميم الحماية الاجتماعية، وإصلاح منظومتي الصحة والتعليم، وتعزيز برامج الدعم الاجتماعي، إلى جانب المبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي تحولت إلى أحد أكبر المشاريع الاجتماعية بالمملكة، وأسهمت في تحسين مؤشرات التنمية وتقليص نسب الفقر والهشاشة.
ورغم التحديات التي فرضتها جائحة “كوفيد-19” وسنوات الجفاف والأزمات الدولية، واصل المغرب تنزيل إصلاحاته بثبات، محافظا على توازناته الاقتصادية ومواصلا الاستثمار في المستقبل.
جهوية متقدمة وعدالة مجالية
وفي المجال المؤسساتي، رسخ دستور 2011 خيار الجهوية المتقدمة باعتباره أحد أهم الأوراش الإصلاحية في عهد الملك محمد السادس، بهدف تقريب القرار من المواطن، وتعزيز العدالة المجالية، وتمكين الجهات من لعب دور أكبر في التنمية.
كما شكلت سياسة اللاتمركز الإداري وإعادة هيكلة الاستثمار الترابي، إلى جانب البرامج التنموية الجهوية، أدوات جديدة لتقليص الفوارق بين مختلف مناطق المملكة، وترسيخ حكامة ترابية أكثر نجاعة.
ديمقراطية مستقرة ومؤسسات قوية
وعلى المستوى السياسي، واصل المغرب تعزيز مساره الديمقراطي من خلال تنظيم الاستحقاقات الانتخابية في آجالها الدستورية، وتطوير المنظومة القانونية المؤطرة للعملية الانتخابية، بما يعزز الثقة في المؤسسات ويرسخ مبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص.
ويأتي الاستعداد للانتخابات التشريعية المقبلة في سياق توجيهات ملكية تؤكد أهمية توفير إطار قانوني واضح ومستقر، بما يعكس حرص المؤسسة الملكية على صيانة الخيار الديمقراطي وضمان سلامة المسار الانتخابي.
فلاحة عصرية وتنمية مستدامة
كما شهد القطاع الفلاحي نقلة نوعية بفضل مخطط “المغرب الأخضر” ثم استراتيجية “الجيل الأخضر”، اللذين أسهما في تحديث القطاع، وتعزيز الأمن الغذائي، وتشجيع الاستثمار، ودعم الفلاحين، وهو ما جعل التجربة المغربية تحظى بإشادة منظمات دولية، وفي مقدمتها منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو).
وفي موازاة ذلك، واصل المغرب الاستثمار في الطاقات المتجددة وتدبير الموارد المائية، من خلال مشاريع السدود، وتحلية مياه البحر، والربط المائي بين الأحواض، لمواجهة تحديات التغيرات المناخية.
إشعاع دولي وشراكات استراتيجية
وخلال السنوات الأخيرة، عزز المغرب حضوره على الساحة الدولية باعتباره شريكا موثوقا وقوة إقليمية صاعدة، مستندا إلى دبلوماسية نشطة تقوم على التعاون جنوب-جنوب، والانفتاح على إفريقيا، وبناء شراكات استراتيجية مع مختلف القوى الدولية.
كما رسخ مكانته جسرا بين إفريقيا وأوروبا، ونموذجا في الحوار بين الحضارات، والتعايش، والاعتدال، وهو ما تؤكده شهادات مسؤولين وخبراء دوليين أشادوا بمسار المملكة في مجالات التنمية والثقافة والتعليم والاستثمار.
الرياضة المغربية… من الحلم إلى العالمية
ومن أبرز قصص النجاح خلال العقدين الأخيرين، التحول الكبير الذي عرفته الرياضة المغربية، وخاصة كرة القدم، بفضل رؤية ملكية جعلت منها رافعة للتنمية.
فبفضل الاستثمار في البنيات التحتية، وإحداث أكاديمية محمد السادس لكرة القدم، وتطوير منظومة التكوين والاحتراف، أصبحت الكرة المغربية رقما صعبا قاريا وعالميا، بعدما حققت المنتخبات الوطنية إنجازات تاريخية، وتوجت المملكة بتنظيم تظاهرات رياضية كبرى، وصولا إلى الاستعداد لاحتضان كأس العالم 2030 بشراكة مع إسبانيا والبرتغال.
نحو أفق 2030… استمرار مسيرة البناء
وإذا كانت السنوات السبع والعشرون الماضية قد أرست أسس مغرب حديث ومتجدد، فإن المرحلة المقبلة تحمل رهانات أكبر، في مقدمتها تعزيز تنافسية الاقتصاد، والرفع من جودة التعليم، وخلق فرص الشغل، واستكمال ورش الدولة الاجتماعية، وإنجاح تنظيم كأس العالم 2030، بما يجعل من هذا الموعد العالمي محطة جديدة لتسريع التنمية وتعزيز إشعاع المملكة.
وفي الذكرى السابعة والعشرين لعيد العرش المجيد، يواصل المغرب، بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، ترسيخ مسار إصلاحي متوازن، يجمع بين الاستمرارية والتجديد، ويؤكد أن الرؤية الاستراتيجية بعيدة المدى، القائمة على الاستثمار في الإنسان والمؤسسات، تظل أساس بناء دولة قوية، مستقرة، ومتطلعة بثقة نحو المستقبل.






